مقالات الكتاب

(المشروع.. بين البريق والواقع) نهاية مرحلة وبداية اختبار

في هذه اللحظة تحديدًا، يمكن القول: إن المشروع الكروي السعودي أنهى مرحلته الأولى على مستوى الحضور العالمي، والجذب الإعلامي، وقوة الصفقات التي نقلت الدوري من مساحة إقليمية إلى منصة دولية مفتوحة، ولكن نجاح المرحلة الأولى لا يعني بالضرورة جاهزية المرحلة التالية؛ لأن طبيعة المشاريع الكبرى تفرض انتقالًا تدريجيًا من قوة الدفع إلى دقة البناء.
المرحلة الأولى كانت قائمة على إثبات الحضور؛ أسماء عالمية، واستثمارات جريئة، ورفع سقف التوقعات. أما المرحلة الثانية؛ فهي مختلفة تمامًا، لأنها تقوم على إعادة ضبط الإيقاع، لا تسريعه فقط؛ فالنجاح الإعلامي لا يكفي وحده، إذا لم يواكبه وضوح في الآليات، وتطوير في الحوكمة، ونضج في فلسفة التعاقدات.
أحد أبرز التحديات اليوم؛ هو الانتقال من منطق الصفقة الكبيرة إلى منطق القيمة الرياضية المستدامة، فالسؤال لم يعد.. من هو النجم القادم؟ بل: كيف تبني الفرق هويتها؟ وكيف تُدار الموارد بحيث تخدم المشروع على المدى البعيد؟ الجماهير العالمية تتابع، لكن الجماهير المحلية تبحث عن تنافس حقيقي، واستقرار فني، وهو ما يجعل المرحلة الثانية أكثر حساسية من الأولى.
إن تسارع الأحداث في سوق الانتقالات خلق واقعًا جديدًا؛ لم يعد يكفي استقطاب لاعب مؤثر، بل يجب أن تكون هناك شفافية أكبر في آليات التعاقد، ووضوح في الأدوار بين الإدارات التنفيذية والرياضية، ونقاش صريح حول سقوف الصرف وآليات الرقابة. الشفافية هنا ليست مطلبًا إعلاميًا فقط، بل أداة لبناء الثقة داخل المنظومة، وبينها وبين الجمهور.
المشروع السعودي اليوم يقف عند نقطة مفصلية؛ إما أن يتحول إلى نموذج مؤسسي طويل الأمد، أو يبقى رهينة الزخم اللحظي، والمرحلة الثانية يجب أن تركز على تطوير الكوادر الفنية، والاستثمار في الفئات السنية، وإعادة تعريف دور المدير الرياضي، وإيجاد توازن بين النجومية العالمية والهوية المحلية، وهذه ليست خطوات تكميلية، بل أساسات لضمان أن ما بُني في السنوات الماضية لا يتحول إلى موجة عابرة، كما أن المرحلة القادمة تحتاج إلى خطاب إعلامي مختلف؛ أقل احتفاءً بالضجيج، وأكثر اهتمامًا بالتفاصيل؛ فالمشاريع الكروية لا تُقاس فقط بعدد المتابعين أو حجم العقود، بل بقدرتها على خلق بيئة تنافسية صحية، ونموذج إداري قابل للاستمرار.
باختصار، المشروع الكروي السعودي لم يعد بحاجة إلى إثبات نفسه للعالم، بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف نفسه داخليًا. المرحلة الأولى انتهت، والمرحلة الثانية بدأت بالفعل.. والسؤال الحقيقي الآن ليس.. ماذا حققنا؟ بل: كيف نحافظ على ما تحقق، ونحوّله إلى إرث رياضي مستدام.
@MohammedAAmri

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *