مقالات الكتاب

الاهتمام بالأسر المتعففة والأيتام

رمضان.. شهر تتغير فيه القلوب قبل الجداول اليومية، ويوقظ في النفس معنى الرحمة، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه وبالناس من حوله. وفيه تتجلى صور العطاء في أبهى معانيها، حيث تنتشر موائد الإفطار في المساجد والساحات والطرقات، ويتسابق الناس لتفطير الصائمين طلبًا للأجر ومرضاة الله. وإطعام الطعام من أفضل الأعمال التي رغب الإسلام فيها، وجعل لها منزلة عظيمة، خصوصًا في هذا الشهر المبارك، الذي تتضاعف فيه الحسنات، وتفتح أبواب الخير على مصاريعها.
ومع ذلك، فإن التأمل في بعض موائد الإفطار يدفعنا للتساؤل عن فقه الأولويات، وحسن توجيه الصدقات. فهل الأفضل استمرار الصرف على موائد فاخرة؛ قد يزيد فيها الطعام عن الحاجة، أم توجيه جزء كبير من الأموال إلى الأسر المحتاجة والمتعففة، وهو ما يكون أعظم أجرًا وأبقى أثرًا وأقرب إلى روح رمضان؟ فهناك فرق بين إفطار بسيط يسد جوع محتاج، أو عابر سبيل، وبين موائد متعددة الأصناف؛ قد يحضرها من ليس في حاجة حقيقية، ويضيع جزء من طعامها، بينما بيوت الحي المتعففة تخفي حاجتها، ولا تطلب المساعدة، وتكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية من غذاء، أو دواء أو إيجار مسكن.
وهنا يتضح السؤال: أيهما أعظم أثرًا عند الله، إشباع بطن ساعة، أم تفريج كربة أسرة شهرًا كاملًا؟ فقد ربطت الشريعة الصدقة بمراعاة شدة الحاجة، وجعلت تفريج الكرب من أعظم القربات؛ إذ تكون الصدقة عند وقوعها في موقع الألم أبلغ أثرًا وأعمق أثرًا. فإعانة أسرة لا تجد قوت يومها، أو سداد دين عن معسر، أو توفير دواء لمريض محتاج، ليست مجرد أعمال خيرية عابرة، بل إنقاذ لحياة وحفظ لكرامة وإحياء لأمل كان على وشك الانطفاء.
وبعض المحتاجين أشد ألمًا من غيرهم لأنهم متعففون، لا يسألون الناس، ولا يشتكون فقرهم، ويظهرون في هيئة حسنة، بينما بيوتهم تخفي معاناة صامتة. والوصول إليهم يجمع بين الإطعام والستر وحفظ ماء الوجه، ويضاعف الأجر. في المقابل، فإن الإفراط في موائد الإفطار؛ قد يحوّل العبادة من معناها العميق إلى مظهر اجتماعي أو عادة موسمية، بينما رمضان شهر الزهد والاعتدال والشعور بالفقراء، شهر يتعلم فيه الصائم الجوع ليحس بجوع غيره.
ولذلك، يحتاج المجتمع إلى ثقافة توازن، تعيد توجيه الخير ليكون أكثر أثرًا. يمكن استمرار موائد الإفطار ببساطة واعتدال، مع توجيه الجزء الأكبر من الميزانيات لدعم الأسر المحتاجة عبر سلال غذائية، بطاقات شرائية تحفظ الكرامة، مساهمة في الإيجارات، علاج المرضى، أو كفالة الأيتام والأرامل. فبهذا نجمع بين فضل إطعام الصائم وفضل تفريج الكرب وفضل الصدقة الخفية التي تصل إلى القلوب قبل الأيدي، وتزرع الطمأنينة والانتماء، وتمنع الانكسارات النفسية التي يولدها العوز.
وفي النهاية، رمضان مدرسة لإعادة ترتيب الأولويات والإحساس بالضعفاء، وتحويل العبادة من شكل إلى مضمون. أعظم الموائد ليست تلك المليئة بالأصناف، بل التي تمتلئ بالرحمة، وأعظم الإفطارات قد يكون سرًا لأسرة محتاجة، فينقلب ضيقها فرجًا، وحزنها طمأنينة، ويصعد دعاؤها في جوف الليل أعظم من كل مائدة. ومن جمع بين الإفطار المعتدل والعطاء الخفي فقد جمع خيرين، وأحيا التكافل كما أراده الإسلام، وربح تجارة مع الله لا تبور، لأن الله لا ينظر إلى كثرة ما ننفق بقدر ما ينظر إلى موضعه وأثره وصدق النية فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *