الإرهاق القرائي هو مرحلة يصل إليها القارئ فيتوقف عن القراءة ولا يستطيع، أو لا يرغب في إكمال أي مادة قرائية، حيث تتحول من متعة إلى عبء كبير لا يستطيع معها تجاوز الصفحات الأولى، أو حتى السطور الأولى من أي كتاب، وهو إن حاول فقد يدخل في دوامة من تشوش الأفكار وفقدان التركيز نهائيًّا. ونحن هنا لا نتحدث عن القارئ المبتدئ، بل عن ذلك الذي قضى مددًا طويلة في القراءة.
وقد يكون الإرهاق بصورتين؛ إما بصورة مؤقتة في ساعة أو في يوم ما، وإما أن يستمر عدة أيام وربما أكثر. ومن علامات ذلك إعادة القراءة عدة مرات دون استيعاب، والشعور بالملل السريع حتى مع الكتب التي يحبها القارئ واعتاد على التفاعل معها، مع فقدان الشغف بها، والإرهاق الذهني حتى بمجرد التفكير بفتح كتاب.
ويعود هذا الإرهاق إلى عدة عوامل، منها نوعية الكتب التي قرأها في الفترة الأخيرة والتي ربما لا تتناسب مع ذائقته، أو كثافتها في مدة وجيزة جدًّا. وقد تكون لأسباب صحية أو نفسية مرتبطة بأمور حياتية أخرى انعكست على مزاج القارئ في تلك الفترة، أو بسبب الاعتياد على النصوص الصغيرة، والمقاطع التصويرية القصيرة في وسائل التواصل، التي تُحدث مع الوقت تشتيتًا كبيرًا في ذهنه بسبب التنقل السريع بين هذه المواد، وهو ما أثبتته دراسات متعددة.
هذا ولا بد أن نعي أن شعور القارئ بالذنب من هذه الحالة أمر إيجابي؛ إذ يعني رغبة في العودة إلى القراءة. ولتجاوز هذه المشكلة ثمة عدة طرق؛ أبسطها الانحناء أمام العاصفة والتماهي مع هذه الحالة لفترة ما حتى تزول باعتبارها حالة عادية قد يمر بها الجميع، مع محاولة اختصارها قدر الإمكان.
ويمكن للقارئ كذلك تغيير بعض العادات القرائية، كتغيير أوقات وأماكن القراءة، وتجربة قراءة كتب من نوعيات مختلفة عما ألِفه سابقًا، أو كتب تتميز بالبساطة من مجالات يحبها، حتى إن عدّ البعض فائدتها محدودة، ومنها بعض كتب التنمية الذاتية، وبعض الكتب القصيرة التي لا يتجاوز عدد صفحاتها المئة، أو حتى القصص القصيرة أو القصيرة جدًّا، أو كتب المقالات التي لا يزيد الوقت اللازم لإنهاء مقال منها على ثلاث دقائق. وهناك أيضًا كتب الكوميكس والمانغا (كتب الصور والنصوص القصيرة جدًّا)، التي ربما ساعدت القارئ المرهق قرائيًّا على تصفية دماغه وعودة رغبته في القراءة ثانية. ويمكن لهذا القارئ أن يستمر في هذا الأسلوب حتى تزول هذه الحالة عنه؛ لأن القراءة نفسها تصحح نفسها بنفسها، خاصة إذا عددناها هدية لأنفسنا لا واجبًا مفروضًا.
ويجدر بالقارئ في هذه المرحلة التخلص من ضغط الإنجاز الذي قد يفرضه عليه ما يطالعه عن قراء يعلنون قراءة كتاب كل يوم أو كل أسبوع، دون معرفة ظروفهم والتزاماتهم الحياتية. فالقراءة ليست سباقًا، بل حالة وجدانية شخصية يجب أن يستمتع بها القارئ، ويقرأ بالسرعة التي تناسبه وتناسب قدرته على الاستيعاب، وتناسب ذلك كله مع وقته المتاح، مع تقليل الشعور بالذنب من عدم قراءة بعض الكتب التي ابتاعها.
وقد يفيد في هذه المرحلة تجربة الكتب الصوتية أثناء القيام ببعض المهام التي لا تتطلب تركيزًا ذهنيًّا، أو القراءة أثناء المشي أو مع صحبة محببة، فقد تساعد في تحطيم جدار الرتابة والملل وإعادة التوق إلى القراءة إلى حالته السابقة.
yousefalhasan@
