كان أحمد جالساً على الأريكة في هدوء، بينما كانت سارة تنتظر بصبر أن يشاركها تفاصيل يومه، سألته بحنان:” بعد كل هذا اليوم الطويل، فيم تفكر؟”. نظر إليها مبتسماً وقال:” في لا شيء!”. بدا عليها الحيرة، فكيف يمكن لإنسان أن يفكر في”لا شيء”؟ بينما لو سألها هو نفس السؤال، لبدأت تحكي عن مشروع العمل. عن صديقتها التي تمر بظرف صعب. عن والديها. عن خططها للعطلة القادمة. وكيف أن كل هذا يتشابك في ذهنها. هذه اللحظة البسيطة تكشف سراً عظيماً في عالم طرق التفكير والعلاقات بين الرجال والنساء. سر حاول الكثيرون تفسيره، ومنهم من قدم نموذجاً شيقاً يستحق الدراسة والتأمل مثل نيد هيرمان رائد علم شقي الدماغ وتخصصاتهما. أما النموذج الذي سنتناوله هنا اليوم هو ليس قانوناً علمياً صارماً، بل هو تشبيه عملي لطيف يساعدنا على فهم بعض الفجوات التواصلية اليومية. دعونا نتخيل معاً أن عقل الرجل في هذا النموذج كخزانة تحتوي على صناديق، أو أدراج منفصلة تماماً. صندوق أو درج للعمل، وآخر للأسرة، وثالث للهوايات وهكذا. الأهم من ذلك، هو ذلك الصندوق السحري الذي يمكن أن يجلس فيه الرجل دون أن يفكر بأي شيء على الإطلاق. نعم، إنه صندوق “اللا شيء”! أما عقل المرأة في هذا التصور فهو كشبكة عنكبوتية رائعة، كل خيط متصل بالآخر. الحديث عن العشاء قد يقود إلى ذكرى طفولة، والتي قد تذكرها بهدية تريد شراءها لصديقتها. وهكذا دواليك. الكلام هنا ليس مجرد نقل معلومات؛ بل هو وسيلة لترتيب الأفكار والمشاعر. من هذا الاختلاف في التصميم – حسب هذا النموذج البسيط – تنشأ العديد من مواقف سوء الفهم اليومية. عندما تحكي الزوجة عن مشكلة في عملها، فهي تبحث غالباً عن أذن تسمعها وقلب يفهمها، لكن الزوج يسمع “مشكلة تحتاج إلى حل” فيبدأ فوراً في سرد النصائح والحلول العملية. هي تشعر بعدم التفهم، وهو يشعر بالإحباط لرفض حلوله، المشهد يتكرر عندما تريد الزوجة الحديث عن يومها بكامل تفاصيله، بينما الزوج يعطي إجابات مختصرة. ليس لأنه لا يهتم؛ بل لأنه – حسب هذا التصور- يعالج الأمور بشكل مختلف. الجميل في هذه الفكرة أنها تذكرنا بأن الاختلاف ليس عيباً، بل هو تنوع جميل. عندما ندرك أن شريكنا قد يرى العالم بطريقة تختلف عن طريقتنا، يصبح من السهل أن نتحلى بالصبر والتسامح. قد تتعلم أو تتفهم الزوجة أن صمت زوجها ليس تجاهلاً لها، بل هو طريقة للراحة الذهنية. وقد يتعلم أو يدرك الزوج أن حديث زوجته المتشعب ليس ثرثرة، بل هو طريقة لترتيب عالمها الداخلي المعقد. في النهاية، الحل لا يكمن في محاولة تغيير طريقة تفكير الآخر. بل في بناء جسور التفاهم. ربما تبدأ بقبول فكرة أن هناك أكثر من طريقة لمعالجة الأمور، وأن ما يبدو غريباً بالنسبة لك قد يكون طبيعياً بالنسبة لشريكك. فالرجل قد يحتاج أحياناً إلى وقت في صندوق “اللاشيء” الخاص به .. والمرأة قد تحتاج أحياناً إلى من يسمع شبكة أفكارها المتشابكة دون مقاطعة. الحياة المشتركة جميلة بتنوعها، وذكاؤنا العاطفي يظهر عندما نحول الاختلاف من مصدر للصراع إلى فرصة للتفاهم والتعلم والنمو معاً.
أحمد وسارة
