مقالات الكتاب

هل الإنسان على قدر التحدي؟

هل كنا نتوقع أن حرفة النول اليدوي، التي كانت تنسج البسط والسجاد والأقمشة التقليدية كالحرير والصوف، وهي مهنة تراثية عريقة تعود لآلاف السنين، وكان العامل الشغوف بها، يقضي أجمل أيامه معها، قد اندثرت ورحل من يتقنها، لصالح الآلة الصناعية التي حلت مكانه، بقدرة انتاجية أكبر ومردود اقتصادي أعلى.
هل كنا نتخيل أن يحل الروبوت الآلي، مكان الانسان ويأخذ عنه مهام أصعب المهن، كالتنقيب عن الألغام والعمليات الجراحية الدقيقة، وتحليل البيانات الضخمة والأعمال المنزلية ومساعدة كبار السن وغيرها الكثير الكثير..؟
مع ثورة الرقمنة التي نشهدها حاليًا، وتغير نمط الحياة على إثرها، هناك مهن انقرضت ووظائف جديدة ظهرت وأخرى قادمة لم توجد بعد، فعلى سبيل المثال، نرى أن مهنة عمال المطابع، موزعي البريد، وكلاء السفر، أمناء المكتبات قد اختفت، وفي المقابل، هناك وظائف استحدثت؛ مثل وظيفة مدير العمل عن بعد( Director of remote work) عالم بيانات، ومهندس خوارزميات، وخبير الأمن السيبراني، ومديرالفرق” الإنسا- آلية”(Human –Machine Teaming) مدرب الألعاب الالكترونية، مهندس مياه المد والجزر، خبراء الأوبئة، مدير تصميم المنازل الذكية.
إن العمل جزء مهم في حياة البشر، فهو الذي يعطي قيمة للإنسان وشعوراً بالثقة في النفس واطمئناناً للمستقبل، ولأننا في صراع مع الزمن وخوف من المستقبل، فنحن مدعوون أن نقر بهذا التقدم التقني، ونستعد له بكل ما أوتينا من قدرات وإمكانات، وفهم عميق للتكنولوجيا والإفادة من مخرجاتها على كافة الصعد وشتى المجالات، وفي الوقت ذاته، يتحتم علينا أن نشجع الشباب إلى تعلم مهارات المهن التي تقاوم الذكاء الاصطناعي ولا تزول، كمهنة فنيي الصيانة وعمال البناء ومهن الخدمات اليدوية؛ كالطهاة ومحترفي تنظيم الحفلات، ومهن الرعاية الشخصية ومهن الزينة والجمال؛ فهي مهن تتعامل مع المواقف غير المتوقعة، وضمن بيئات غير منظمة، وتلبي احتياجات العميل العاطفية.
إن الرجل الآلي (منافس الإنسان) يعود له الفضل في تسيير أمورنا، وقد وفر لنا الوقت والجهد، وقلل من التكاليف والأخطاء البشرية، لكنه يظل بلا روح ولا وجدان. أما الإنسان، وما تسطره أنامله الذهبية من رضى وإبداع، فيبقى إنتاجه اليدوي صديقاً للبيئة، عالي الجودة، وحامياً للتراث الثقافي مع مرور الزمن وتعاقب العصور.
فهل سنحافظ على التوازن بين مطرقة الآلة وسندان الإنسان، وبين الأصالة والتحديث، ونسخر كل ما ابتدعه الإنسان لصالح الإنسان كأحسن تسخير. (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *