أيام كنت أعمل في مؤسسة صحفية، وقع زميل لنا في ضائقة مالية؛ فجاءته الهواجس من كل حدب وصوب. ومن ذلك اقتراح غريب طرحه علينا. قال نحن في المؤسسة 800 موظف فما ضر لو أن كل واحد دفع لي ريالًا واحدًا، هل يعجز عن ذلك؟ ثم قال: فما بالكم لو أنكم قررتم انتشالي من الوهدة التي تطوحت فيها. ثم أجاب على نفسه فقال: تستمرون في بادرتكم الكريمة هذه شهرًا واحدًا. وبذلك يكون عندي في نهاية الثلاثين يومًا 24000 ريال. فتكونون قد أسعفتم الملهوف.
أنا موافق؛ لأني أؤمن بالبقشيش. فعندما أذهب لتعبئة أسطوانة غاز جديدة؛ فإني أزيد في القيمة بعض ريالات أضعها في يد الذي خدمني، فلا تتصورون وقع هذه الهبة الضئيلة على العامل؛ إذ يدخل عليه من السرور ما يزيح عنه التعب. وصار إذا جئت ينتقي لي أنظف الأسطوانات؛ حتى صرت أوسوس أن هذه رشوة. ولم أقصد- يشهد الله- رشوة العامل. وأعجب من ذلك عند شراء مقاضي الشهر، ويطلق عليها بعض الناس الراشن، وهي كلمة إنجليزية، وفي بلاد شبوة نطلق عليه التبتوت. لعل كلمة التبتوت من بقية لغة قوم عاد. الشاهد.. أنني أعطي العامل الذي يحمل هذه البضاعة ما تيسر. وذات يوم تأخروا علي، ولما علم المشرف صاح فيهم، وقال أخرتوا حبيب الشعب. تصوروا بمبلغ تافه صرت حبيب الشعب.
وفي قراءاتي القديمة، أذكر أن الإمام أبا حامد الغزالي- رحمه الله- استحسن أن نزيد قليلًا في عباداتنا. فمثلًا لو أن عندي مالًا بلغ النصاب، وحال عليه الحول، وعند حساب قيمة الزكاة وجدتها ألف ريال مثلًا. قال الإمام الغزالي: زد على هذه الألف عشرة أو عشرين ريالًا؛ لكي يرى الله أنك كريم، قاصدًا وجهه، تحب الزيادة في التقرب إلى الله، ولا تقف عند المأمور به فحسب. أو كما قال.
أذكر أني قبل بضع سنوات زرت صديقًا في مكتبه في عمارة بالدور السادس أو السابع. فقال لي: أنظر إلى العقار المجاور؛ فأطللت من الشباك، وإذا أمامي أرضية كبيرة مسورة فيها نحو خمسة أجنحة من الغرف والأفنية والنخيل. حيث يمكن أن يعيش عدة عوائل. ثم قال لي هذا ملك المرحوم فلان، وقد تنازع الورثة، وبقي العقار بكامله مهجورًا؛ حتى تفصل المحكمة في القضية.
بعد أن خرجت قلت لنفسي: إن الله قال” وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولًا معروفًا”. فلو أن الورثة اتبعوا هذ التوجيه الكريم لتسامحوا فيما بينهم. الأدب القرآني يحض على رحمة الناس. فكلما ابتعدنا عن الأنانية وعن الشح كلما ازدانت حياتنا بالرضا والنعيم وبحبوحة العيش. والعكس صحيح. فما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.
بقشيش
