أحد الجيران قال لي قبل 50 سنة: إنك إذا سجدت والنظارة على عينيك؛ فإن النظارة تمنع تمام السجود. فكنت أحاول أن أضع النظارة على الأرض عند سجودي؛ لكي يتحامل جبيني وأنفي تمامًا على الأرض. تعبير التحامل هذا سمعته من شيخي الحبيب حسين بن هادي السقاف- رحمه الله. وبعد انتهاء الصلاة وقبل رفع النظارة ربما يأتي أحد السراع فيدوس عليها، بل إن أحد الأطفال كان ذات مرة يجري بين الصفوف، ونحن نصلي، فركل نظارتي إلى الشخص الخامس أو السادس إلى اليمين. وقد عادت إليّ سليمة. بارك الله في الولد الراكل. وأحيانا أكون مسبوقًا وأثناء القيام لإتمام بقية الصلاة، يزيد احتمال وقوع قدم عليها فيكسرها. ولمراعاة نظارتي من الكسر يذهب الخشوع أدراج الرياح، وهو أصلًا قليل. وقد ديست نظاراتي بمعدل ثلاث مرات في السنة. وكان- بحمد الله- دوسًا مباركًا مهمًا كان وزن الدواس. فسلمها الله من التهشيم. وذات مرة كنت في زيارة لقريب لي بمكة المكرمة وذهبت لأتوضأ فجاء ولده وعمره سنتا،ن ورأى النظارة على طاولة التلفزيون فهجم عليها وكسر ذراعها.
وقد قلت لإمام المسجد القريب: حبذا لمن يتبرع بسجاجيد جديدة أن تكون قليلة البهرجة والزخرفة، وأن يكون اللون فاتحًا. وله في لون سجاجيد الحرمين الشريفين قدوة. وذلك لتفادي التشويش على أعين السائرين بين الصفوف من أطفال وراشدين؛ فيسهل عليهم رؤية النظارات المطروحة على الأرض خلال الصلوات.
اختيار اللون المناسب أمر ضروري لا في المساجد، ولكن حتى في السيارات. وكلما تناقض لون السيارة مع لون الإسفلت كان ذلك أنسب لبقية السائقين. وإذا كانت سجاجيد المساجد يناسبها اللون الأخضر الفاتح؛ فإن السيارات يليق بها اللون الأبيض لا الأسود ولا الرصاصي.
نعود للنظارة. إذ ما كنت حين خرجت من قريتي في شبوة إلى عدن قبل ستين عامًا أعرف النظارة، فإنما هي المبصرة. وكنّا نقول للابس النظارة أبو المبصرة. وسوف أذكر في وصيتي أن نظارتي/ مبصرتي تكون عند من يلتزم بقراءة جزءين من القرآن يوميًا، فإذا كثروا فالقرعة.
والشيء بالشيء يذكر، لقد نص عبد الرحمن القصيبي في وصيته على شراء خاتم لولده غازي- رحمهما الله؛ لأنه وعده بذلك وهو صبي لديه هواية جمع الخواتم. وبعد وفاة عبد الرحمن تعجب غازي من هذه الوصية، ثم فسرها أنه يقول له: اقتد ياولدي بوالدك. وليس عندي خواتم مثل آل القصيبي، ولكن لدي المبصرة حتى إذا سأل أحد أحفادي عنها يقال له: هذه مبصرة جدك- غفر الله له- لكي تتذكر قوله تعالى: فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها. وقوله تعالى: (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).
النظارة
