تَصَوَّر للحظة أن جارك يتدخل في شؤون عائلتك، يُبدي رأيه في طريقة تربيتك لأبنائك، في ميزانيتك الشهرية، وحتى في لون طلاء جدران منزلك. قد تتسامح مع تعليق عابر بنبرة ودية، لكن ماذا لو تحول الأمر إلى تدخل مُسْتَمِرّ، مصحوباً بنظرات اسْتِيَاءٍ مُبَطَّنَة أو حتى محاولات لتغيير قَنَاعَاتِك؟!
نحن إذ نرفض الوِصَايَة لا نَقْصِد الانْغِلاق، بل نُعبر عن ثقتنا بِنُضْجِنَا وقدرتنا على رسم مسارنا الخاص. وهذا النَّهْجُ الواثِق هو ذاته ما رَسَمَتْهُ سياسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في سَيْرِهِ الدَّؤُوب نحو “رؤية 2030″؛ حين أَرْسَى دَعَائِمَ سياسةٍ خارجية ترفض التَّبَعِيَّة، وتتعامل مع العالم بِنِدِّيَّةٍ تامة. هي دعوة راسخة لاحترام متبادل، يكون فيه الحوار هو الجسر، لا الإمْلاءات والمُطَالَبَات.
وهنا يبرز سؤال وُجُودِيّ: أين تنتهي حدودي وتبدأ حدود الآخر؟ وأين يتوقف التبادل الودي للمشورة، ويبدأ التَّطَفُّل المُبَطَّن بأجندات خَفِيَّة؟
إن منطق “المصلحة الوطنية أولاً” ليس أنانية مَقِيتَة، بل هو صِمَامُ أَمَانٍ يحمي الهوية والقرار المُسْتَقِلّ للدولة. هو اعتراف بأن لكل أمة خُصُوصِيَّتَهَا وتاريخها وتحدياتها، وأن الحلول التي تصلح لمجتمع “ما” قد تكون سُمّاً قَاتِلاً لآخر، ولذلك أصبحت مصلحة المملكة اليوم وسيادتها هي البُوصَلَة لكل تحرك.
إن بناء عالم يسوده السلام والتعاون الحقيقي يبدأ من احترام سِيَادَة كل دولة، والاعتراف بحقها في تقرير مَصِيرِهَا. عندها فقط، يمكننا أن نتبادل الخبرات بحرية ونتعاون لتحقيق مصالح مشتركة، دون أن يَلْتَهِمَ الأقوى هوية الأضعف، أو يفرض رؤيته قَسْراً.
لسنا قاصرين!
