لم يكن الجدل التحكيمي في الدوري السعودي وليد اللحظة، لكنه عاد إلى الواجهة مجددًا، بعد سلسلة من القرارات المثيرة، التي صاحبت مباريات فريق النصر في سباقه نحو المنافسة على لقب الدوري. والمفارقة أن النصر ربما يكون الفريق الوحيد بين فرق القمة، الذي تقاد غالبية مبارياته بطواقم تحكيم محلية، وهو أمر غير مألوف في صراع البطولات، حيث جرت العادة أن تتم الاستعانة بحكام أجانب في المباريات الحساسة لتقليل مساحة الجدل، وضمان أعلى درجات الدقة.
ولعل المتابع يتذكر ما حدث قبل عدة مواسم، وتحديداً الدوري الذي حققه الاتحاد الذي يسبق آخر دوري ناله الموسم الماضي، عندما كان الاتحاد ينافس النصر على لقب الدوري؛ حيث فضلت الجهات المنظمة، وتحديداً إدارة اتحاد كرة القدم الاستعانة بطواقم تحكيم أجنبية في كثير من المواجهات الحساسة؛ إدراكًا لحجم الضغوط التي قد تواجه الحكم المحلي، وخشية الوقوع في أخطاء قد تؤثر على عدالة المنافسة. أما اليوم، وفي ظل المنافسة المحتدمة، نجد أن بعض المباريات المفصلية تقاد بتحكيم محلي؛ رغم ما يثار من أخطاء واضحة.
مباراة النصر الأخيرة أمام نيوم، أعادت فتح هذا الملف من جديد، وتحديدًا في اللقطة التي كان بطلها لاعب النصر مارسيلو بروزوفيتش. الحالة التحكيمية لم تكن معقدة، أو قابلة لاجتهادات متعددة، بل إن كل المحللين أجمعوا على أن تدخل بروزوفيتش بلغ درجة واضحة من التهور تستوجب البطاقة الحمراء. ومع ذلك، مضت المباراة دون أن يتخذ الحكم القرار المنتظر.
المباراة أدارها الدولي خالد الطريس، بمساعدة محمد العبكري وعبدالرحيم الشمري، فيما كان حكم الفيديو رائد الزهراني حاضرًا في غرفة الـVAR. ورغم وضوح الحالة، فإن غرفة الفيديو بدت وكأنها بعيدة تمامًا عن المشهد، فلم نشهد استدعاء الحكم لمراجعة اللقطة، أو حتى التوقف عندها بالشكل الذي يتناسب مع وضوحها.
وهنا لا يمكن تفسير الأمر على أنه مجرد اختلاف في وجهات النظر، فبعض الحالات لا تحتاج إلى اجتهاد؛ بقدر ما تحتاج إلى تطبيق واضح للقانون. وعندما تمر مثل هذه اللقطات دون قرار حاسم، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مستوى التحكيم المحلي، وجاهزيته لإدارة مباريات بهذا الحجم.
الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن بعض الأسماء التحكيمية، التي تدير مثل هذه المباريات مرشحة للمشاركة في نهائيات كأس العالم، وهو ما يضاعف حجم التساؤلات. فإذا كانت مثل هذه الأخطاء تحدث في مباريات محلية لا تخلو من الضغوط، لكنها تظل أقل من ضغوط البطولات العالمية، فكيف سيكون الحال في أكبر محفل كروي على مستوى العالم؟
لا أحد يشكك في قدرات الحكم السعودي أو تاريخه، فقد قدم التحكيم المحلي أسماءً مميزة عبر العقود الماضية، لكن استمرار الأخطاء الواضحة يضع علامات استفهام عريضة، تحتاج إلى مراجعة صريحة. فالدوري السعودي اليوم أصبح من أقوى الدوريات في المنطقة، ويضم كوكبة من النجوم العالميين، وبالتالي فإن مستوى التحكيم يجب أن يرتقي بما يتناسب مع هذه المكانة.
كما أن الفرق المنافسة، وعلى رأسها الأهلي الذي يطمح للبقاء في دائرة المنافسة، قد تجد نفسها مضطرة للمطالبة بطواقم تحكيم أجنبية في المباريات المفصلية، خصوصًا في المواجهات المباشرة، التي لا تحتمل الهفوات. فمباراة واحدة قد تغير مسار البطولة بأكملها.
لم نكن نتمنى أن تظهر صورة الحكام محمد العبكري وعبدالرحيم الشمري وخالد الطريس بهذا المستوى في مباراة بهذا الحجم، وهم الذين يمثلون التحكيم السعودي، ويرفعون رايته في المحافل الدولية. أما حكم الفيديو رائد الزهراني فلا تعليق!! لكن ما حدث يعكس حاجة ملحة للمراجعة والتقييم؛ لأن النصر- وربما دون قصد- كشف وهن الحكم المحلي في توقيت بالغ الحساسية من عمر المنافسة.
النصر يكشف وهن الحكم المحلي
