اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود
أنَّ للوطن معنىً لا تُحيط به الحدود، ولا تُقاس به المسافات، ولا تُحدِّده الدور والديار، فإنَّ قومًا من الناس قد ظنّوا أنَّ الوطن أرضٌ يُقيمون عليها، ودارٌ يأوون إليها، وعملٌ يبتغون فيه معاشهم، ويستخرجون منه قوت عيالهم، ومركبٌ يركبونه إذا ثقلت الأسفار، ويحمل عنهم ما ثقل من الأعباء والأوزار، وما علموا ـ لو علموا ـ أنَّ الوطن أوسعُ من أرضٍ تُوطأ، وأعظمُ من دارٍ تُبنى، وأبقى من متاعٍ يُقتنى.
وقومٌ آخرون قالوا: إنَّ أمر الوطن إلى الدولة والقيادة، فهم له الحُماة، وهم له الرعاة، ونحن في ظلِّهم نعيش، وفي أمانهم نستريح، فألقوا عن كواهلهم المسؤولية، وأسلموا أمرهم للراحة والدَّعة، وانغمسوا في لذائذ الأيام والليالي، فلا سألوا: من أين جاء الأمن؟ ولا تفكَّروا: كيف قام الاستقرار؟ ولا تدبَّروا: بأيِّ سهرٍ قامت الحراسة، وبأيِّ عزمٍ ثبتت الدعائم والأسوار، فهنِئوا بحياةٍ هادئةٍ رخية، يرفلون في ظلالها هم وأهلوهم، لا يعكر صفوها خوفٌ، ولا يكدِّر هناءها اضطرابٌ أو انكسار، ولو أنهم تدبَّروا لعلموا، ولو أنهم أنصفوا لفهموا: أنَّ الوطن ليس أرضًا فحسب بل عهدٌ ومسؤولية، وليس ظلًّا يُستظل به بل أمانةٌ تُصان وليس اسمًا يُقال بل روحٌ تسري في القلوب والأبدان، فأنتَ الوطنُ إذا صدقتَ له انتماءً، وأنتَ الوطنُ إذا حفظتَ له ولاءً، وأنتَ الوطنُ إذا جعلتَ مصلحته فوق الهوى والرجاء.
إنَّ للأوطانِ رجالًا يحملون أعباءها، ويذودون عن حماها، ويقفون لها بالليلِ والنهار، لا يكلّون ولا يملّون، فالقيادةُ الرشيدةُ قد أخذت على عاتقها أمرَ الحماية والرعاية، تبذل الوقتَ والفكر، وتسهرُ على الأمنِ والاستقرار، فلا تدّخر جهدًا، ولا تضنّ بعزمٍ أو تدبير، ثم تمضي الحكومةُ على نهجها، تنفّذ التوجيه، وتُقيم البنيان، وتسعى في خدمة الناسِ والسكان، غير أنَّ الأمر ليس حِملَ قائدٍ وحده، ولا عملَ دولةٍ فحسب؛ بل هو عهدٌ مشترك، ومسؤوليةٌ عامة، يتقاسمها الرجالُ والنساء، ويقوم بها الكبيرُ والصغير.
فكما ينال الناسُ من خيرِ الوطنِ نصيبًا موفورًا، وينعمون بظلاله ظلالًا ممدودة، كذلك يصيبهم من عثرته ما يصيبه، ويبلغهم من ضعفه ما يبلغه، فالوطنُ إن اعتزَّ عزّوا، وإن تعثّر تعثّروا، وإن قويَ قويَ بهم وبهم يقوى، فالوطنُ ليس ترابًا يُملك، ولا جدارًا يُسكن، بل عهدٌ يُصان، وأمانةٌ تُحفظ، ومسيرةٌ يمضي فيها الجميع صفًا واحدًا وقلبًا واحدًا.
الوطن وطنُنا جميعًا، فكلنا نحن الوطن، وكلنا نحن منبعه وعليه قائمون، فليكن لكل واحدٍ منَّا يقينٌ في قلبه، يقينٌ لا يزول، أن الوطن يتجسد فيه، فيتمنى له من الخير ما يتمنى لنفسه، بل ليتجاوز التمني ويعمل بالجد والهمة، فيدفع عن وطنه ما يؤذيه من سوء، ويصد عنه ما يحيط به من أخطار، كما يصد عن نفسه وعن أهل بيته، كما يدافع عن غرسه وثمار كفاحه.
على كل واحدٍ منَّا أن يكون جنديًّا وفيًّا، مخلصًا لقيادته، مدافعًا عن وطنه بكل ما يملك من قوةٍ وحيلةٍ ودهاء، فقد حبانا الله سبحانه وتعالى بقيادةٍ رشيدة، همّها كله حماية استقلال بلادنا، وتنميتها، وتطويرها، وتذليل كل صعوبةٍ تعترض حياتنا، فصارت بلادنا واحةً وارفة الظلال، من الأمن والأمان، ومن الطمأنينة والاستقرار، قد رزق الله أهلها من كل الثمرات.
اجعلوا وطنكم في حدقات أعينكم، واحرصوا على خدمته، واحموه بكل ما أوتيتم من قوةٍ وقدرةٍ وسعة حيلة، ولا تدعوا أحدًا ينال منه، خاصة من باع وطنه بثمن بخس، من العمالة والنذالة والارتزاق، وأكثروا الشكر والحمد لربكم، في هذه الأيام الطيبة المباركة، وأكثروا الدعاء لولاة أمركم، ولشعبكم، ولأرضكم الطيبة، وليحذر كل واحدٍ منَّا أن يُؤتى وطنه من قِبله، فيكون كمن فقأ عينه بأصابعه.
احفظوا الوطن يحفظكم، وأكرموا الوطن يكرمكم، واجعلوه في القلوب مقامًا، كما جعل الله له في الأرض مقامًا وسلامًا، فالوطن أنتم إن حفظتموه، والوطن أنتم إن نصرتموه، والوطن أنتم إن صدقتم معه عهدًا لا ينقض، وميثاقًا لا يزول، ألا فاعلموا: أنكم إن صلحتم صلح الوطن، وإن ضعفتم ضعف الوطن، فكونوا له حصنًا، يكن لكم أمنًا ودارًا وسَكَنًا.
اللهم احفظ قادتنا البررة، وفقهم وسدد خطاهم، واحفظ وطننا من كيد الكائدين، واحفظ شعبنا كله، وأدم علينا هذا الأمن والأمان، واطمئنان القلوب، واستقرار الأوطان، اللهم آمين.
