مقالات الكتاب

حِيْن نَرْتَدِي أَسْمَاءَنَا

​عِنْدَمَا يَتَحَوَّل الاِسْم إِلَى قَمِيْصٍ لُغَوِيٍّ نَرْتَدِيْه كَيْ نَتَعَارَف؛ فَهُو الْجِسْر الأَوَّل الَّذِي نَعْبُر مِنْ خِلالِه نَحْوَ الآخَرِيْن. وَالْبَاب الَّذِي يُطْرَق قَبْل الدُّخُوْل إِلَى أَعْمَاقِنَا. وَالْعَلامَة الَّتِي تُرْفَع فَوْق خَيْمَتِنَا فِي صَحْرَاءِ الْوُجُوْد كَيْ لا نَضِيْع فِي كَثْرَة الْوُجُوْه؛ فَنَحْن نَسْتَدِلّ عَلَى الأَشْخَاص بِأَسْمَائِهِم قَبْل أَنْ نَخْتَبِر شَخْصِيَّاتِهِم. الأَوَّلِون الَّذِيْن عَبَرُوا التَّارِيْخ، عَرَفْنَاهُم وَتَوَارَثْنَا ذِكْرَهُم بِالاِسْم لا بِالصِّفَة. ​الاِسْم وَعْدٌ بِالتَّمَيُّز. فِي عَالَمٍ مُزْدَحِمٍ بِالأَشْبَاه؛ حيثُ يَمْنَحُنَا الاِسْم إِحْسَاساً بِأَنَّنَا لَسْنَا تَكْرَاراً.. حِيْن يُنَادَى الإِنْسَان بِاسْمِه، يَنْتَفِض شَيْءٌ مَا فِي دَاخِلِه. كَأَنّ الصَّوْت يُوْقِظُه مِنْ عُمُوْمِيَّتِه؛ كَأَوَّل عَلاقَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْن الْمُجْتَمَع. هَكَذَا يَدْخُل الإِنْسَان التَّارِيْخ مِنْ بَوَّابَة التَّسْمِيَة. لِيُدْرَج فِي السَّرْد الْجَمَاعِيّ لِلْبَشَر. ​إِنَّنَا نَحْتَاج الاِسْم. كَمَا يَحْتَاج الْجَسَد ظِلَّه؛ لَيْس لأَنَّه جَوْهَرُه، بَلْ لأَنَّه يُرَافِقُه وَيُؤَكِّد حُضُوْرَه. فِي النِّدَاء اعْتِرَافٌ، وَفِي الاِعْتِرَاف حَيَاةٌ. أَنْ يُذْكَر اسْمُك يَعْنِي أَنَّك لَمْ تَذُب تَمَاماً فِي الْعَدَم. بِدُوْنِه نُصْبِح فِكْرَةً بِلا عُنْوَانٍ، وَظِلّاً بِلا مُنَادَاةٍ. هُو مِلْكٌ لَنَا فِي شُعُوْرِنَا، وَمِلْكٌ لِلآخَرِيْن فِي اسْتِعْمَالِهِم. نَحْن نَحْمِلُه، وَهُم يُنَادُوْنَنَا بِه. ​وَهَكَذَا يَبْقَى الاِسْم ضَرُوْرَةً إِنْسَانِيَّةً، لا لأَنَّه يُخَلِّدُنَا، بَلْ لأَنَّه يَمْنَحُنَا فُرْصَة أَنْ نَقُوْل:”أَنَا هُنَا”. وَكَمَا دَخَلْنَا بِاسْمٍ سَنَخْرُج بِذَات الاِسْم. وَمِنْ ثُمّ يَتَآكَل بَعْد جِيْلَيْن أَوْ ثَلاثَةٍ، ثُمّ يَتَحَوَّل الْوُجُوْد إِلَى رَقْمِ قَيْدٍ، وَخَانَةِ جِنْسٍ، وَمَكَانِ مِيْلادٍ فِي أَرْشِيْفٍ صَامِتٍ. تُخْتَزَل حَيَاةٌ كَامِلَةٌ فِي وَثِيْقَةٍ خَشْيَة الْفَنَاء وَالتَّلاشِي، لِيَصِيْر أَثَراً مَادِيّاً عَلَى أَنَّك مَرَرْت مِنْ هُنَا. وَمَا بَيْن قَمِيْص الْمِيْلاد وَقَمِيْص الرَّحِيْل. تَتَحَدَّد قِيْمَتُنَا لا بِعَدَد مَا كُتِب عَنَّا، بَلْ بِعُمْق مَا كَتَبْنَاه فِي قُلُوْب مَنْ حَوْلَنَا. هُنَاك فَقَط؛ حَيْث لا أَرْشِيْف وَلا أَخْتَام. دُمتُم بِخيْر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *