مقالات الكتاب

دراما البسطات الرمضانية.. بين التعفف والمجاهرة

في كل عام، ومع انبلاج هلال رمضان تتبدل ملامح الشوارع، ويعلو إيقاع الحياة بنبض مختلف. تمتد الأضواء الخافتة على الأرصفة، وتتجاور روائح الطعام مع همسات الدعاء، وتظهر البسطات الرمضانية؛ كعلامة مألوفة في المشهد الشعبي، غير أن هذه البسطات لم تعد تحكي الحكاية ذاتها التي عهدناها، فقد انتقلت في كثير من صورها، من كونها مورد رزق متعفّف للفقراء، إلى منصة مكشوفة تُعرض عليها مقتنيات البعض من السيارات الفارهة، وعروض للأزياء والزينة والمجوهرات، وكأن الغنى أصبح مشهداً يُشاهد والحاجة سِتراً يجب أن يُصان.
كانت البسطة الرمضانية- في أصلها- فعلاً اقتصادياً بسيطاً ونبيلاً؛ طاولة خشبية متواضعة، أو قطعة قماش تُفرش على عجل، تحمل أطباق السمبوسة، وأقراص القطايف، وأكواب السوبيا، أو بعض المصنوعات اليدوية، التي أُتقنت في بيوت ضيقة المساحة واسعة الأمل، خلف تلك الطاولة تقف أم تُخفي تعبها بابتسامة، أو أب يُغلف قلقه بعبارة: «رزق اليوم على الله». كانت البسطة باباً صغيراً يُشرع في وجه العوز، ومتنفساً يحفظ للمرء ماء وجهه؛ إذ يبيع بيده، ويجني بثمن كده، بعيداً عن سؤال الناس.
غير أن التحولات الاجتماعية والإعلامية أضفت على المشهد بعداً آخر، أصبحت بعض البسطات تُصور وتُنشر وتُلتقط لها المقاطع القصيرة تحت عناوين ” بسطات الأغنياء “وتُرفق بعبارات تُشير إلى غنى أصحابها أكثر مما تُشير إلى جودة ما يقدّمون ،هنا تتبدّل المعادلة من «منتجٍ يُشترى» إلى «حالة تُشاهد»، ومن تعفف صامت إلى مجاهرة قسرية بالثراء؛ كأن البسطة لم تعد مساحة عمل، بل أصبحت سيرة شخصية مفتوحة للعلن.
والمشهد الآخر الأكثر إيلاماً؛ حين تتحول بعض البسطات إلى ساحة عرض لأجمل زينة للفتيات،
ولا يُفهم هذا التحوّل بمعزل عن الواقع الاجتماعي، الذي أصبح مهتماً بتوثيق الظواهر الاجتماعية، دون وعي بقيمتها كمادة إعلامية تتصدر للعالم.
غير أن السؤال الأخلاقي يظل قائماً؛ كيف نحفظ كرامة الأسر المحتاجة فعلاً، وماذا تركنا لهم؟!
رمضان شهر ستر ورحمة، لا شهر كشف وتعرية، وإذا كانت البسطات جزءاً من روحه الشعبية، فالأجدر أن تبقى مساحة للكسب الكريم، لا مسرحاً لعرض الخصوصيات. أن نشتري لنُعين، لا لنُصور وأن ندعم لنحفظ الكرامة، لا لنصنع مشهداً عابراً، فبين التعفف والمجاهرة خيطٌ رفيع، اسمه الكرامة الإنسانية، وهو أولى ما ينبغي أن نصونه في مواسم الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *