مقالات الكتاب

رمضان زمان

على ضفاف ذاكرتها الممتدة بين البحر، والبيوت الطينية القديمة، وفي قلب أملج، يطل مهرجان “رمضان أملج زمان”؛ بوصفه أكثر من مجرد فعالية موسمية. إنه استدعاء حميم لذاكرة رمضان كما عاشه الآباء والأجداد، ببساطته ودفئه وتفاصيله الصغيرة، التي صنعت روح المكان.
المهرجان- الذي بات محطة سنوية- ينتظره الأهالي والزوار كل عام، يحوّل الأزقة التراثية إلى مسرح حيّ للحياة الرمضانية في الماضي، وبيوت بواجهات تقليدية، وأبواب خشبية عتيقة، وفوانيس تتلألأ بضوء خافت، ومجالس تفوح منها رائحة القهوة العربية، هنا لا يبدو المشهد مجرد ديكور، بل سرد بصري لتاريخ اجتماعي يتجدد في كل عام.
في”رمضان أملج زمان” تتجاور الأجيال في صورة نادرة؛ كبار السن يستعيدون حكايات السمر بعد صلاة التراويح، ويروون قصص الأسواق القديمة وموائد الإفطار الجماعية، فيما يكتشف الصغار كيف كان رمضان يُعاش بروح الجماعة، حيث البساطة عنوان الفرح، والتواصل قيمة يومية ، ولا يقف المهرجان عند هذا الحد ، بل يتجاوزها إلى الاحتفاء بالهوية المحلية، مؤكدًا أن التراث ليس ماضياً منسياً، بل ركيزة حاضرة في وجدان المجتمع، هنا، يمضي الوقت على إيقاع الأحاديث الهادئة والابتسامات العفوية، وتبدو التفاصيل الصغيرة، وكأنها تقول: إن للذاكرة حقًا في أن تُروى، وأن للأصالة مكانًا ثابتًا رغم تسارع التحولات.
أجمل ما في “رمضان أملج زمان” أنه يعيد تعريف الفرح الرمضاني بعيدًا عن الصخب الاستهلاكي، فهو يذكّر بأن رمضان لم يكن يومًا سباقًا نحو المظاهر، بل موسمًا للتراحم والتقارب وصناعة الذكريات المشتركة، وفي زمن تتبدل فيه ملامح الحياة بسرعة، يصبح التمسك بهذه الجذور فعل وفاء، ورسالة واضحة للأجيال؛ بأن الأصالة ليست حكاية تُروى فحسب، بل قيمة تُعاش.
وبين أضواء الفوانيس وعبق التاريخ، يدرك الزائر أن بعض الأزمنة لا تغيب، بل تنتظر من يستدعيها بمحبة، وتمنح الذاكرة فرصة جديدة لتزهر. كل الشكر لبلدية محافظة أملج المنظمة لهذا المهرجان، على هذه الجهود الكبيرة، التي تبذلها لإعادة الحياة للبلدة القديمة بالمنطقة التاريخية، وجعلها وجهة يومية لأهالي المحافظة وزوارها طيلة أيام هذا الشهر الكريم. وكلنا في خدمة الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *