مقالات الكتاب

من يوم بدينا.. قوتنا في ثباتنا

كتب رئيس التحرير
عبدالله الحارثي


299 عامًا نستحضرها اليوم في ذكرى التأسيس، لا نعود إلى الماضي بدافع الحنين، بل نلقي نظرة عميقة لاستحضار أمجاد صنعت تاريخ أمة، ورسمت مسار حاضرها ومستقبلها دون انقطاع أو توقف.
في الثاني والعشرين من فبراير 1727م، بدأت ملامح الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، الذي أيقن أن التأسيس مشروع لا يفرض بالقوة دون استقرار وأمن، بل بحكمته وثقة من حوله، وشكل من الدرعية مرحلة الانطلاقة، ووضع تصور استمرار دولة قابلة للتجدد، تعتمد على حماية الإنسان قبل الأرض، وتصون الهوية قبل الحدود؛ لضمان تماسك النسيج رغم الاتساع الجغرافي، وتبني شرعيتها على العدل والالتزام، لا على الفوضى والغلبة.
ومع تعاقب المراحل وتعقّد التحديات، جاءت لحظة التوحيد الكبرى بقيادة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود– طيب الله ثراه – الذي لم يبدأ مشروعه من فراغ، بل انطلق من جذور قائمة، فأعاد وصل ما انقطع، وجمع الشتات ضمن مشروع سياسي واضح المعالم: (وحدة الأرض، وحدة القرار، وحدة المصير، البناء والتطوير).
كان الملك عبدالعزيز يدرك أن بناء الدولة لا يكتمل بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى حكمة تُديرها، وإلى ثقة متبادلة بينها وبين مجتمعها؛ لذا نجح في مشروع توحيد السعودية وبسط الأمن والاستقرار.
ومن بعده، توالت عهود الملوك، وكل عهد حمل إضافة نوعية، دون أن ينفصل عن الأساس. ترسيخ للمؤسسات، وتنظيم للاقتصاد، وتوسّع الاستثمار في الإنسان؛ مراحل انتقالية عميقة، من منطق التأسيس إلى منطق البناء، ومن ضرورات البقاء إلى أولويات التنمية.
في العهد الميمون، عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين، نستعيد ذكرى التأسيس، ولكن بلغة مختلفة، في ظل رؤية صنعها سمو سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء «رؤية السعودية 2030» لا تُقرأ كقطيعة مع الماضي، بل كامتداد حديث له، واستدعاء للقيم الأولى ذاتها «الطموح، والاستقرار، والقدرة على التحول» ولكن ضمن أدوات العصر ومساراته الاقتصادية والمعرفية، وكما قامت الدولة الأولى على فكرة واضحة، تمضي الدولة الحديثة برؤية محددة المعالم، تُدار بعقل يعي أن المستقبل لا يُنتظر بقدر ما يُصنع، وأن الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وطموح السعوديين يلامس عنان السماء، في بناء وطن مزدهر وقوي.
هكذا، لم يعد يوم التأسيس مجرد مناسبة تاريخية، بل محطة تأمل وقراءة، نعم قراءة ترى في الثبات عنصر قوة، وفي التطور شرط بقاء، وفي الهوية ركيزة حضور عالمي، لا عبئًا عليه، وأن السعودية قبلة المسلمين، وبوصلة العالم.. صانعة قرار ومحطة سلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *