مقالات الكتاب

رايات الامتنان

حين يرحل الكبار؛ ندرك فجأة كم كنّا مدينين لهم بكلمات لم نقلها وهم أحياء، وبمشاعر تقدير أرجأناها حتى صار الوقت متأخراً. هكذا كان المشهد مع رحيل رائدة الكلمة المغنّاة ومبدعة الشعر الحجازي ثريا قابل، ومع غياب الناقد والمفكر والأديب الدكتور سعيد السريحي؛ إذ انفتحت أبواب الرثاء واسعة، وتدفقت المقالات التي تستعيد مناقبهما، وكأن المجتمع أراد أن يعوّض بالصوت العالي ما فاته من إنصاف في زمن الحضور. ثريا قابل لم تكن مجرد شاعرة تكتب نصاً جميلاً؛ بل كانت صوتاً إنسانياً في زمن لم يكن سهلاً على المرأة، ولا على الكلمة العاطفية الصادقة. أسهمت في تشكيل وجدان جيل كامل، ومنحت الأغنية السعودية بعداً شعرياً رفيعاً ظل حاضراً في الذاكرة. أما الدكتور السريحي فكان ضميراً نقدياً يقظاً، وصوتاً ثقافياً يدافع عن قيمة الفكر والمعرفة، ويضع الإبداع في سياقه الحضاري، مؤكداً أن الأمم لا تُقاس بثرواتها المادية وحدها، بل بعمقها الثقافي ووعيها بذاتها، الجامع بينهما لم يكن المجال؛ بل الرسالة. كلاهما آمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الثقافة ليست ترفاً بل ضرورة لبناء إنسان متوازن ومجتمع حي. ومع ذلك يبقى السؤال المؤلم: لماذا ننتظر الرحيل لنرفع رايات الامتنان؟ لماذا لا يتحول التقدير إلى ثقافة يومية تُقال في الوقت المناسب، وتُمنح لمن يستحقها وهو قادر على سماعها؟ إن الاعتراف بالمبدعين والمفكرين وهم أحياء يعزز ثقتهم، ويدفعهم إلى مزيد من العطاء، ويمنح الأجيال الجديدة نماذج حية يمكن محاورتها والتعلم منها. أما بعد الرحيل؛ فإن الواجب يتحول من تقدير مباشر إلى حفظ للذاكرة وصون للأثر. وهنا لا يكفي أن نكتب مقالات رثاء موسمية؛ بل ينبغي أن نحوّل الامتنان إلى مشروع دائم. إن تخليد ذكرى ثريا قابل والدكتور السريحي في معلم ثقافي أو مركز حضاري يحمل اسميهما، أو يضم سيرتهما ضمن فضاء أوسع لرواد الوطن؛ سيكون رسالة وفاء تتجاوز العاطفة إلى الفعل. مركز حي متجدد يعرّف الزوار بإسهاماتهما، ويتيح للأجيال الاطلاع على نصوصهما وأفكارهما وتجربتهما، ويجعل من الذاكرة قوة دافعة نحو المستقبل. إن الأمم التي تحفظ أسماء مبدعيها ومفكريها في معالمها ومؤسساتها، إنما تعلن احترامها للمعرفة والجمال معاً. وتخليد ثريا قابل والدكتور السريحي ليس تكريماً لشخصين فحسب، بل تأكيد على أن الكلمة الصادقة والفكر العميق هما من أعمدة بناء الوطن. فلنجعل من رحيلهما بداية لثقافة جديدة، لا تنتظر الغياب لتقول شكراً، ولا تكتفي بالحزن؛ بل تبني ذاكرة وطنية تليق بمن صنعوا وجدانها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *