تشهد الجامعات اليوم سباقًا علميًا كبيرًا في مجال أبحاث الكلى، سواء في تطوير العلاجات الدوائية، أو تحسين تقنيات الغسيل الكلوي، أو الأهم من ذلك زراعة الكلى، التي تمثل الأمل الحقيقي لآلاف المرضى؛ لينتقلوا من حياة مرتبطة بجهاز الغسيل ثلاث مرات أسبوعيًا إلى حياة طبيعية منتجة. هذه الأبحاث لا تقوم على الجهد الطبي فقط، بل على منظومة متكاملة من المختبرات، والأجهزة المتقدمة، والكوادر البحثية، والدراسات السريرية، وكل ذلك يحتاج إلى دعم مالي مستمر وكبير.
وهنا يأتي دور المجتمع، خاصة رجال الأعمال وأهل الخير والباحثين عن الأجر. فكما تعودنا في مجتمعنا أن يكون للوقف دور في بناء المساجد والمدارس، أصبح من الضروري أن يمتد هذا المفهوم ليشمل “وقف البحث العلمي الطبي”. دعم أبحاث الكلى تحديدًا ليس تبرعًا عابرًا، بل استثمار في إنقاذ أرواح، وتخفيف معاناة أسر كاملة، وتقليل أعباء صحية واقتصادية على الدولة والمجتمع.
مراكز الأبحاث الجامعية لا تطلب دعمًا عشوائيًا، بل عبر قنوات رسمية وتحت إشراف الجهات المختصة، بما يضمن الشفافية وسلامة الصرف وتحقيق الأهداف العلمية والطبية. هذه المراكز تسعى للشراكة المجتمعية، بحيث يكون المتبرع شريكًا في مشروع إنساني علمي مستدام، وليس مجرد اسم في قائمة داعمين. ومن المبادرات الرائدة أن يُقام المشروع أو المختبر أو البرنامج البحثي باسم المتبرع داخل الجامعة، ليبقى الأثر العلمي مرتبطًا باسمه سنوات طويلة، ويكون صدقة جارية له بعد عمر طويل- بإذن الله.
تخيّل أن يُنشأ “مركز أبحاث أمراض وزراعة الكلى” باسم أحد الداعمين، تُجرى فيه الدراسات، وتُطوَّر فيه بروتوكولات علاجية، ويستفيد منه المرضى والطلاب والأطباء، ويخرج منه أبحاث قد تغيّر مستقبل العلاج. كل مريض تُخفف معاناته، وكل عملية زراعة تنجح، وكل طالب يتعلم في هذا المركز، يكون في ميزان حسنات من ساهم في إنشائه.
كما أن هذا النوع من الدعم يعزز مكانة الجامعات الوطنية؛ كمراكز علمية رائدة، ويشجع الكفاءات على البقاء والعمل داخل الوطن بدل البحث عن فرص بحثية في الخارج، ما ينعكس على جودة الرعاية الصحية عمومًا. كذلك يفتح المجال لتوطين التقنيات الطبية وتقليل الاعتماد على الخارج في بعض الجوانب العلاجية.
ومن الجانب الإنساني، مريض الفشل الكلوي يعيش بين أمل وألم؛ أمل في متبرع أو علاج جديد، وألم الغسيل المتكرر والقيود الصحية. حين يشارك المجتمع في دعم الأبحاث، فهو يبعث رسالة لهؤلاء المرضى أنهم ليسوا وحدهم، وأن خلفهم مجتمعًا يشعر بهم ويسعى لمد يد العون لهم علميًا وعمليًا.
إن تحويل التبرع من مساعدة فردية مؤقتة إلى دعم مؤسسي بحثي مستدام، هو نقلة نوعية في مفهوم العمل الخيري؛ فبدل أن نعالج النتيجة فقط، نساهم في البحث عن الحلول الجذرية. والجميل أن ذلك يتم عبر قنوات رسمية وتحت إشراف الجهات المختصة، مما يجمع بين الأجر، والنظام، وضمان وصول الدعم لمكانه الصحيح.
نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة أن البحث العلمي الطبي ميدان من ميادين الصدقة الجارية، وأن دعم مراكز أبحاث الكلى وزراعتها تحديدًا هو دعم للحياة نفسها. وكل من يسهم في هذا المجال، سواء بماله أو بخبرته أو بدعمه المعنوي، فهو شريك في صناعة أمل جديد لمرضى أنهكتهم المعاناة، وأسر تنتظر الفرج، ومجتمع يسعى لصحة أفضل ومستقبل أقوى.
وأشكر جامعة الملك عبدالعزيز على جهودها الراقى نحو تطوير البحوث العالمية.
دعم مراكز الأبحاث والتطوير
