مقالات الكتاب

من عوائق القراءة (3)

يُعَدّ انتظار تحسُّن المِزاج من أجل القراءة واحدًا من أكثر عوائقها انتشارًا بين الناس؛ ذلك أن الوصول إلى مرحلة المِزاج المثالي؛ هو أمر صعب جدًّا يقترب من الاستحالة؛ كونه نسبيًّا ويصعُب قياسه، ولأنه مهما كان المِزاج جيدًا، فإن مَن ينتظر تحسُّنه، لن يصل إليه، تمامًا كمن يلاحق السعادة، فربما لا يجدها إلا حينما يكف عن ملاحقتها.
ولأن هناك مغريات لا تكاد تنتهي في عالم اليوم بجوانبه الرقمية على وجه الخصوص، فإن القراءة هي الخاسر الأكبر في هذا الرِّهان؛ لأنها الأصعب، ولأنها تشبه انتظار أحدهم لانفتاح شهيته للأكل الصحي بدل اللذيذ منه أو الضار.
كما أن طبيعة الإقبال على القراءة وما يعتقده بعضهم من مِزاج ملائم لها تشبه الرياضة التي نادرًا ما يشعر الناس بالحماسة لها قبل ممارستها، لكنهم غالبًا ما يشعرون بالرضا بعد الانتهاء منها؛ هكذا هي القراءة إذن، التي ينسى أو يتناسى الكثيرون أنها هي غالبًا ما تصنع المِزاج الجيد؛ فلا يجب أن ننتظره كي نبدأ بها، بل يجب ألا نمنح المِزاج سلطة قرار القراءة من عدمها على طبق من فضة، بل يجب أن نخرج المِزاج من المعادلة، ونشرع في القراءة بعيدًا عن أي شعور ولو كانت نسبة الاستيعاب المتوقعة ضعيفة، فإنها بالتأكيد تراكمية تؤتي أُكُلَها مع الوقت، وتترك آثارًا لا يمكن إنكارها في حياتنا، وفي معارفنا ولو لم نشعر بذلك.
غالبًا ما تكون مشكلة القراءة مرتبطة بخط البداية أكثر من ارتباطها بالمِزاج، وفور الانطلاق في القراءة؛ فإن البقية الجميلة تأتي بعدها، خاصة حينما تكون البداية خفيفة وجميلة باختيار نوعية المواد والكتب المحبّبة إلى النفس، ولو لم تكن المشهورة منها، مع محاولة التقليل من التوقعات الناتجة عن القراءة أو الشعور بأي تأنيب للضمير من نقص الاستيعاب؛ فالقراءة ولو كانت قليلة وغير عميقة أفضل من التوقف عنها بانتظار الوصول لمِزاج أفضل.
ولأن انتظار المِزاج الجيد هو انتظار بلا نهاية؛ لذا فقد لزِم أن يحاول من فشِل في تعديل مِزاجه ربط القراءة بطقس محبَّب إلى النفس؛ كشرب كوب من الشاي أو القهوة، أو الجلوس في مكان يرتاح إليه، أو مع شخص يحبه، أو مجموعة أصدقاء يحبهم. وما أجمل قول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: (في القراءة متعة لا يعرفها إلا من اعتاد أن يجعل الكتاب وطنًا وسكنًا)!

yousefalhasan@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *