في قلب مدينتي، وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى ذروة الزحام، وقع حادث سير مروع. قبل أن تصل سيارات الإسعاف. كانت عشرات الهواتف قد ارتفعت في الهواء، لا لتطلب النجدة؛ بل لتقتنص”اللقطة السبق”. في تلك اللحظة. تحول الضحية الذي يصارع الموت إلى مجرد “محتوى رقمي” مشاع، وانتهكت حرمة جسده بضغطات زر طائشة جابت الآفاق في ثوانٍ معدودة. هذا المشهد السينمائي المتكرر ليس مجرد تصرف فردي عابر؛ بل هو تجسيد لظاهرة “التصوير الفضولي” التي باتت توصف بأنها “طاعون العصر” في مجتمعاتنا. إن هذا الغزو البصري للحياة الخاصة يمثل أزمة أخلاقية وقانونية مركبة؛ فالمصور الذي ينشر صور المرضى، أو الموتى، أو حتى المارة في الأسواق بدافع “الفضول” أو”التشهير”، لا يدرك أنه يرتكب جريمة تتجاوز الحدود الأدبية إلى انتهاك صريح لحقوق الملكية الفكرية والخصوصية البشرية. إن الفرد في مجتمعنا يمتلك حقاً حصرياً في صورته وشخصه، وتداول هذه الصور دون إذن كتابي صريح يعد اعتداءً على “ملكية الشخص لذاته” وهي تبعة قانونية جسيمة تضع الجاني تحت طائلة نظام مكافحة جرائم المعلوماتية في المملكة العربية السعودية، الذي يفرض عقوبات رادعة؛ تشمل السجن والغرامات المليونية. من الناحية النفسية، يساهم هذا السلوك في خلق حالة من “الرهاب الاجتماعي الرقمي”؛ حيث يفقد الفرد شعوره بالأمان في الأماكن العامة؛ خوفاً من عدسة تترصد عثراته لتجعل منه مادة للسخرية أو التشويه. والأدهى من ذلك هو تزييف الحقيقة؛ فاجتزاء المقاطع وتعديل الصور يقلب الحقائق ويخلق وعياً زائفاً، ما يهدم السلم المجتمعي ويزرع بذور الفتنة والظن. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن هذه العدسة نفسها قد تكون أداة إيجابية حين تُستخدم في”صحافة المواطن” الواعية التي توثق الإنجازات، أو تكشف التجاوزات المرفقية؛ شريطة الالتزام بالمعايير المهنية والقانونية التي تحمي كرامة الإنسان. إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لقيمنا الأصيلة؛ فالحياء والستر ليسا مجرد شعارات؛ بل هما سياج يحمي المجتمع من التفكك. إن مواجهة هذا الوباء تتطلب تكاتفاً بين التوعية التربوية والصرامة القانونية؛ لترسيخ مفهوم “الضمير الرقمي”. يجب أن يدرك كل حامل هاتف أن حريته في التصوير تنتهي تماماً عند حدود خصوصية الآخرين، وأن الصورة التي قد يراها”تسلية” قد تكون خنجراً يغرس في قلب أسرة، أو تدميراً لمستقبل إنسان. إن استعادة قدسية الحياة الخاصة هي السبيل الوحيد للحفاظ على إنسانيتنا في غابة من العدسات الرقمية.
التصوير الفضولي
