مقالات الكتاب

الفرص في الحياة

الفرصة في الحياة ليست بابًا يُطرق كل يوم، بل قد تكون نافذة تُفتح للحظات ثم تُغلق طويلًا، ومن يدرك هذه الحقيقة يعيش بعقل يقظ وقلب شجاع، لأن الزمن لا ينتظر المترددين، ولا يرحم من اعتادوا التأجيل. كثير من الناس تمر أمامهم الفرص كما تمر السحب في السماء؛ يَرَونها واضحة لكنهم يؤجلون القرار حتى تختفي، ثم يقضون بقية أعمارهم يرددون: “ليتني فعلت”. والحياة لا تُدار بكلمة “ليت”، بل تُبنى بكلمة “بدأت”.
الفرص ليست محصورة في المال أو التجارة فقط، بل في كل مجال من مجالات الحياة. هناك فرصة في التعلم حين يُعرض عليك علم جديد، وفرصة في العمل حين يُفتح باب مشروع أو شراكة، وفرصة في العلاقات حين تلتقي بشخص صالح أو صاحب خبرة، وفرصة في فعل الخير حين تُتاح لك قدرة على مساعدة محتاج. الفرق بين إنسان وآخر ليس في عدد الفرص التي تمر عليهما، بل في الجرأة على اقتناصها، وحسن التقدير للحظة المناسبة.
المتردد يظن أنه يحمي نفسه من الخسارة، لكنه في الحقيقة يخسر أعظم المكاسب؛ التجربة. لأن حتى الفرصة التي لا تنجح تعطيك خبرة، والخبرة نفسها فرصة أكبر في المستقبل. أما الذي ينتظر الكمال في الظروف، والضمان الكامل للنتائج، فلن يبدأ أبدًا، لأن الحياة بطبيعتها قائمة على المخاطرة المحسوبة، لا على اليقين المطلق.
انظر إلى الناجحين في أي مجال؛ لم يصلوا لأن الطريق كان واضحًا ومعبدًا، بل لأنهم تحركوا عندما سنحت اللحظة. طالب اغتنم فرصة بعثة فغيّرت مستقبله، موظف قبل مهمة صعبة فكانت سبب ترقيته، تاجر بدأ بمشروع صغير فتحول إلى تجارة كبيرة، إنسان مدّ يده بالخير ففتح الله له أبوابًا لم يكن يتخيلها. كل قصة نجاح في بدايتها قرار شجاع في لحظة كان غيره فيها مترددًا.
ومن أعظم الفرص التي يضيعها الناس فرصة الوقت. الصحة فرصة، الشباب فرصة، الفراغ فرصة. حين تذهب لا تعود. لذلك قالوا: إن الفرصة تشبه السحابة، إن لم تمسك بها وهي قريبة، عبرت ولن تنتظر. وكثير ممن بلغوا مراحل متقدمة من العمر يقولون: لم نندم على المحاولات التي قمنا بها، بل ندمنا على الفرص التي تركناها خوفًا أو كسلًا.
لكن اغتنام الفرص لا يعني التهور، بل يعني الوعي وسرعة القرار بعد دراسة معقولة. فالعاقل لا يقف طويلًا حتى تضيع اللحظة، ولا يقفز بعينين مغمضتين، بل يوازن ثم يتوكل. والتوكل هنا ليس كلمة تقال، بل شجاعة داخلية تدفعك للتحرك، وأنت تثق أن السعي لا يضيع عند الله.
الحياة أقصر من أن نعيشها في منطقة الانتظار. الفرص لا تطرق الباب مرتين بالشكل نفسه، واللحظة التي تذهب لا تعود كما كانت. لذلك اجعل شعارك أن تكون مبادرًا لا متفرجًا، صانعًا للفرصة لا منتظرًا لها فقط. تحرك عندما ترى بارقة أمل، تعلّم عندما يُفتح باب علم، استثمر عندما تلوح فرصة، وقدم الخير حين تملك القدرة. فمن اعتاد اقتناص الفرص عاش حياة مليئة بالإنجاز، ومن اعتاد التردد عاش أسير الأمنيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *