مقالات الكتاب

حديث الستين دقيقة

عندما كان يقرأ كتابها في نهم رافقته صورته، وهو ابن الخامسة عشرة، يمشي وراء خاله صاعدين إلى مكتب الشيخ علي رضا؛ حيث وعده خاله أن يجد له عملًا خلال إجازة المدرسة،
وكانت الهيبة تملأه، فهذا أول مكتب سينتظم فيه في هذه الشركة التي تظهر بنايتها وسط أهم شوارع جدة، ما يزيده هيبة، ومن رئيسها الذي سيقابله بعد قليل.
وكما تعود في كثير من مواقف حياته التي كان يشعر برهبتها في البداية، وتنكشف غالبًا له عن اهتمام وتكريم بفضل من الله.
رحب الشيخ علي بخاله ترحيبًا ملحوظًا أدخل الطمأنينة عليه، وسأله عن حاجته، وعندما عرف منه أنه جاء مع ابن أخته؛ بحثًا عنه عمل خلال الإجازة الصيفية طلب على الهاتف مدير المحاسبة، وأخبره بأن يأخذ الشاب لتعريفه بموظفي القسم، الذي سيبدأ العمل فيه من اليوم التالي،
واستمر يعمل ستة أيام في الأسبوع حتى انتهاء الإجازة المدرسية، وقد جمع خلالها 450 ريالًا في الثلاثة أشهر. كان ذلك منذ ستين عامًا،
والكتاب الذي أثار لديه هذه الذكرى مؤخرًا هو( ذاكرة الزمن الجميل.. جدة التي أحببت) وقد وجده منذ عام للسيدة ليلى النعماني علي رضا زوجة الرجل الذي أحسن استقباله مع خاله،
ومنحه أول فرصة عمل، وهو ابن الخامسة عشرة.
في كتابها تروي السيدة ليلى كيف تزوجت، وهي الفتاة اللبنانية بالشاب علي رضا سليل العائلة التجارية السعودية المشهورة، التي تملك شركة الحاج عبدالله علي رضا، صاحبة السجل التجاري رقم واحد في المملكة، ووكلاء أفخم السيارات والبواخر وشركات الطيران والماركات العالمية الفاخرة، وصاحبة الوكلاء في العالم والمكاتب في عدة مدن كبرى.
وكانت زيارتي منذ أيام لها بترتيب من صديقي ومعلمي خالد ابن أسرتها الكريمة؛ فأخبرتها أول ما أخبرتها أني بسبب كتابها ومحبتها لمدينتي جدة، التي سكنتها كما سكنتني عرفت أن ماريا كلاس مغنية الأوبرا اليونانية زارت جدة عام 1965م مع المليونير أوناسيس في رحلة عمل قبل زواجه من جاكلين كينيدي، وأحيت سهرة موسيقية على شاطئ البحر كانت ممن حضروها مع زوجها.
وأنا الذي كنت في أثينا منذ أشهر قليلة زرت متحف ماريا كلاس؛ بدافع من ذكرى ذلك الحدث، وأحضرت لها كتالوج المتحف، الذي دخلته بعد موقف طريف من مسؤول الأمن، والذي دلني بعدها على مطعم يقدم طبق المسقعة بالطريقة اليونانية.
ومما لاحظته في غرفة جلوسها تلك الكتب المميزة التي ملأت الرفوف، وكان حديثنا عن مجموعتها القصصية ” بائع الياسمين” و”حدائق الذاكرة والأخير” أغنية الرحيل” الذي كتب مقدمته المرحوم الأستاذ عبدالله الجفري.
كما أبدت إعجابها بمجموعتي القصصية، التي اختيرت لبحث الماجستير مؤخرًا في الجامعة،
ثم أخذت هي في شرح آخر ما قرأت بالفرنسية ( عيون مي ) تلك الفتاة التي عاد إليها بصرها، وقد قادنا لهذا كتابي أشواق ملونة، والذي خاطبت فيه ثلاثين لوحة تشكيلية، وقفت أمامها في مدن العلم التي زرتها، والتي عملت من نيويورك إلى مانيلا.
وانتقلنا بعدها للحديث عن أعمالها التشكيلية، التي اختارتها صورًا لأغلفة كتبها، وزينت بعضها جدار غرفة الجلوس.
وكعادتي لا يخلو حديثي مع فئة المهتمين بالقراءة والمحبين للكتاب، تناول مؤلفات المستشرقة أنا ماريا شيميل الألمانية، التي طلبت أن يقرأ عليها القران في تأبينها، وهي المسيحية البروتستانية، والتي أوصت أن يكتب على قبرها ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا).
كانت دهشتي لا توصف في حديثي مع سيدة مثل ليلى النعماني علي رضا، التي تجد بعد كل السنين الكتاب رفيقًا والفن صديقًا. أخذ حديثنا كل الستين دقيقة التي اختصرنا فيها ذكريات ستين عامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *