قبل ثلاثة أيام فقدنا عم أولادي (أحمد بن علي الدوسي) وقد كان لي أخاً عزيزاً، كما كان رجلاً نبيلاً، هزه الحزن على فقد ابن أخيه، ثم أخويه وأخته وزوجته تباعاً في السنوات الأخيرة؛ حتى كأن الفقد سلسلة بدأت وانتهت عند أكرم القوم، ورغم أنه مؤمناً إلا أن فقده كان كبيراً، وبعض القلوب ينقلها الفقد لمرحلة من الوجع تفوق التحمل، وقد كان (أبو مشعل) رحمه الله مثالاً لذلك؛ حيث أنهكه الحزن الجلل على فقد أحبته؛ وعلى رأسهم أخواه اللذين ظل يهتف باسميهما منذ فقدهما، حتى لحق بهما- رحمهم الله جميعا ولعلي هنا أتوقف عند ذكرهم كثلاثة رجال أخوة؛ لا ككل الأخوة؛ فقد عاشوا حياتهم على مروءة وطيب ونخوة، وماتوا على محبة ووئام. رحل ثلاثتهم تاركين خلفهم من الذكر والذكريات مالا يمكن تجاوزه أو تجاهله، أو حتى المرور عليه دون توقف. كانوا رجالاً يعتد بهم. نماذج مشرفة ربطتهم ببعضهم علاقة أخوية راقية ومتينة. كان لكبيرهم قيمة وإجلال؛ لم أر محبة وتضحية بين إخوة كما رأيتها فيهم. كانوا فعلاً كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. كلٌ منهم يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة. أحدهم يحب للآخر ما يحب لنفسه، ومع إيمانهم وسمو أخلاقهم ووعيهم الديني ويقينهم بأن كل نفس ذائقة الموت، وأنه نهاية كل حي إلا أن الحزن على فقد بعضهم لبعض تمكن من قلوبهم فأنهكها، وأطاح بها كمداً، وكان لموتهم المفاجئ في غضون أيام تعد على أصابع اليد الواحدة، أو ربما ساعات أقل منها، وقع زلزل قلوبهم وأوغر في وجعها- رحمهم الله!! كانوا رجالاً بمعنى الكلمة؛ يحدثني ابن أختهم البار (العميد أحمد هادي) وهو من تربى بين أيديهم وفي مجالسهم، قائلاً: أخوالي رجال قلّ مثلهم، تشهد لهم قبيلتهم وأهلهم ومن عاشرهم بأنهم الصفوة! وهذه شهادة حق كانوا حتى رحيلهم جديرون بها!! والرجال الحقيقيون لا تخفى معالمهم إن غابوا وإن حضروا؛ فإن حضروا كانوا للمجالس صدراً؛ وإن غابوا كانوا للمروءة مثلاً!! زوجي وإخوانه كانوا من رجال دوس، الذين يذكرون في الميدان والموقف والشهامة، كانوا يحملون ولا يثقلون بوجودهم، كان حضورهم يشهد لهم؛ اجتمع فيهم الوفاء والكرم والإيثار وحبهم لبعضهم ولقبيلتهم ومن يتعايش معهم ؛ لم يعرف عنهم إلا الكرم في اليد والسماحة في النفس والطهر في السريرة ؛ كانوا عزوة وسنداً ؛ حملوا هم بيوتهم وأبنائهم وأهلهم وقبيلتهم- رحمهم الله- وأسكنهم فسيح جناته. قبل ثلاثة أيام طويت الصفحة الأخيرة من تاريخ هؤلاء الأخوة الثلاثة، ورحل آخرهم، والرجال حين يرحلون لا يتركون فراغاً في المكان فقط؛ بل الفراغ الأكبر يكون في القلوب وفي ذاكرة الزمان والمكان، وفي شكل ولون الأيام. كيف تمضي بدونهم؛ كنت ومازلت أشيد بهم- رحمهم الله- وبالقبيلة ذات التاريخ العريق التي هم منها؛ إنها (دوس بني علي) قبيلة ضمت بين صفوفها من خيرة الرجال وخيرة النساء أعداداً هائلة على مر التاريخ قديمه وحديثه، وأفتخر أن أبنائي ينتمون إليهم، وأنهم وأخوتهم وأبناء عمومتهم سيكونون- بإذن الله- خير خلف لخير سلف. أسأل الله أن يرحمهم ويعفو عنهم، ويجعل قبورهم رياضاً من رياض الجنة، وأموات المسلمين أجمعين. إنا لله وإنا إليه راجعون.
بعد الرحيل يبقى الأثر!!
