أتعجب من أولئك الذين يُحصون أخطاء غيرهم بدقّة، ويغفلون في الوقت ذاته عن أخطائهم، بل وعن تقصيرهم الواضح. يمنحون أنفسهم مساحة واسعة للتبرير، بينما يضيّقون الخناق على الآخرين، وكأن الخطأ مباح لهم وحدهم، ومحرّم على غيرهم.
هذه الازدواجية في الحكم لا تنبع من حرص على الصواب، بل من نظرة قاصرة ترى العالم من زاوية واحدة: زاوية الذات. فالبعض لا يبحث عن الحقيقة، بل عن إدانة تُشعره بتفوقٍ مؤقت، حتى وإن كان هذا التفوق وهميًا.
المؤلم أن هؤلاء لا يخطئون في التقييم فقط، بل في الميزان نفسه. فهم لا يقيسون الأفعال بعدل، ولا ينظرون إلى الظروف، ولا يعترفون بأن الإنسان بطبيعته يخطئ ويتعلم. الخطأ عندهم وصمة حين يقع من غيرهم، وعذرٌ مشروع حين يصدر منهم.
الوعي الحقيقي يبدأ حين يراجع الإنسان نفسه قبل أن يحاسب غيره، وحين يدرك أن النقد لا يكون نزيهًا إلا إذا سبقه صدق مع الذات. أما محاسبة الآخرين مع إعفاء النفس، فليست إلا انعكاسًا لعجز داخلي عن مواجهة الحقيقة.
وفي النهاية، من اعتاد أن يرى أخطاء الناس فقط، سيبقى أسيرًا لها،
أما من واجه أخطاءه أولًا، فهو الأقدر على الفهم، والأقرب إلى العدل.
ازدواجية الحكم
