في كل مرة تشهد فيها كرة القدم حدثًا كبيرًا، أو لحظة مثيرة للجدل، تخرج إلى السطح موجة من نظريات المؤامرة؛ كأن الخطأ التحكيمي، أو القرار الإداري لم يعد احتمالًا بشريًا، بل دليلًا قاطعًا على”مخطط خفي” يُدار في الغرف المغلقة، وما حدث في نهائي كأس الأمم الإفريقية كان مثالًا واضحًا؛ فبدل أن يكون النقاش فنيًا أو تنظيميًا، تحوّل المشهد إلى سيل من الاتهامات الجاهزة، والتشكيك في النوايا، ونسج الروايات التي تشابه قصص حلقات مسلسل ( المرآة الداكنة (Dark Mirror، التي لا تحتاج إلى دليل؛ بقدر ما تحتاج إلى جمهور غاضب.
هذا السلوك ليس غريبًا على الكرة السعودية، فثمة فئة من المتابعين والإعلاميين تبني خطابها بالكامل على نظرية “نحن ضحية مؤامرة دائمة”، وتختزل كل خسارة، أو قرار ضد فريقها في اتهام مباشر للآخرين (الحكام، واللجان، والمنافسين، وحتى زملاء المهنة)، والأخطر في هذا الخطاب، أنه لا يكتفي بتفسير الحدث، بل يطعن في الذمم والأخلاقيات، ويحوّل الخلاف الرياضي إلى محاكمة أخلاقية مفتوحة بلا أدلة.
في المنطق المهني، هناك فرق جوهري بين الخطأ والفساد، وكرة القدم لعبة معقدة، وهامش الخطأ فيها مرتفع بطبيعته، حتى مع وجود تقنيات حديثة مثل الـVAR. والاعتراف بإمكانية الخطأ (مهما كان حجمه) لا يعني تبريره، لكنه أيضًا لا يبرر القفز مباشرة إلى الاتهام، والاتهام في أي منظومة أخلاقية أو قانونية، لا يكون إلا بأدلة واضحة، وليس بتفسيرات انتقائية للوقائع .
الواقع أن المنظومة الكروية السعودية، مثل غيرها، تضم أنظمة رقابية (مراجعات تحكيمية، ولجان انضباط، وتقارير فنية، وتقنيات) تقلل من احتمالات التلاعب المتعمد، وهذه الأنظمة لا تلغي الخطأ، لكنها تجعل “المؤامرة الشاملة” فكرة أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع، وتجاهل كل ذلك، والتعامل مع المنظومة كعدو دائم، هو ضرب لقيم العدالة والإنصاف، قبل أن يكون إساءة لكرة القدم نفسها.
هنا يأتي الدور السلبي لبعض البرامج الإعلامية، التي تتاجر بالغضب، وتُفصّل محتواها على الإثارة، وتختار ضيوفًا بعقلية صدامية لا تحليلية، وتمنح الميكروفون لمن يرفع الصوت لا لمن يقدّم الحجة، وبهذه السياسات، يتحوّل الإعلام من مساحة وعي ونقاش إلى مصنع لنظريات المؤامرة، يكرّس الشك، ويغذّي الكراهية، ويشوّه أخلاقيات المنافسة.
في النهاية، كرة القدم لا تُبنى على الشك الدائم، بل على النقد المسؤول. نقد يعترف بالخطأ، يطالب بالإصلاح، لكنه يرفض الاتهام المجاني. أما ثقافة المؤامرة، فهي طريق مختصر لتدمير الثقة، داخل الملعب وخارجه.
بُعد آخر
يقال إن الألقاب الأكاديمية تلمع على الورق، ولكنها في الواقع تنطفئ أمام الحقيقة، قد تشرح لك العالم، لكنها لا تعلمك كيف تديره.
@MohammedAAmri
