هناك نمط من القراء لا يقرأ من أجل الاطلاع والمعرفة أو تذوق جمال اللغة، بل من أجل تصيّد الأخطاء، مشْبهًا في جانب من ذلك ما يقوم به البعض حين يشاهد لوحة فنية جميلة؛ فينتقد لون إطارها، وبعض الشقوق فيها، مغفلًا جمال فكرتها وألوانها.
هنا يلزم التفريق بين من يقرأ من أجل المعرفة والاطلاع والحوار، وفي حال وجد خطأ فإنه ينقده أو يصححه؛ إما شفهيًّا أو كتابيًّا، والكتابي قد يكون نقدًا عبر رسالة شخصية للكاتب، أو ينشره علنًا عبر الوسيلة الإعلامية المتوفرة لديه، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا النوع من النقد مقبول لأن دوافعه تبدو بريئة؛ حيث يقرأ ابتداءً من أجل الفائدة أو المتعة، وبين النوع الثاني؛ وهو من يقرأ من أجل اكتشاف وتصيد الأخطاء والثغرات؛ وكأنه حارس للغة أو للأفكار، لا يدع خطأ يمر إلا وقد اصطاده، وربما لا يترك أي مجال لعذر للكاتب أو تأويل لما كتب، فهو قارئ انتقائي يقرأ باحثًا عن زلة أو هفوة، أو عن مقطع مجتزأ من سياقه؛ لكي يسلط عليه الضوء، حتى يصل إلى مرحلة ما يسمى بالتنمر الأدبي، وهو لا يعد القراءة محطة معرفية أو حواراً مفتوحاً، بل معركة ينتظر أن يخرج منها، وكأنه قد فَتَحَ القسطنطينية.
وقد تكون أخطاء بعض الكتب أو المواد المنشورة لغوية أو إملائية، وتلك حينئذ غنيمة ذلك القارئ المتتبع للأخطاء؛ إذ يعثر على همزة مفقودة، أو فاصلة بدلًا من فاصلة منقوطة، أو نقطة في غير محلها غفل عنها الكاتب ربما بسبب استعجاله، أو بسبب كثافة إنتاجه الكتابي. ورغم أن ذلك ليس مبررًا للخطأ، ولا دعوة للتساهل مع هذه الأخطاء؛ فإنه أيضًا ليس مبررًا لكي نضع الكتابات تحت المجهر دائمًا لمجرد تقصي الأخطاء اللغوية، التي لا يسلم منها حتى كبار الكتاب والأدباء الذين اكتسبوا عظمتهم من أفكارهم العظيمة، لا من خلوها من الأخطاء اللغوية البسيطة؛ لكونها فعلًا إنسانيًّا.
هذه النوعية من القراء – الذين يتقنون فن البحث عن العيوب – تفسد العلاقة بين النص وقرائه، وتشيع مناخًا سلبيًّا لدى الكُتاب الذين قد يتوقف بعضهم؛ خوفًا منهم ومن نقدهم اللاذع وتصيدهم للأخطاء، أو أنها قد تستنزف جهود بعضهم في تنقيح النصوص لغويًّا- رغم أهمية ذلك- على حساب الأفكار، كما قد تولد رهبة لدى بعض المبتدئين من البدء بالكتابة.
وتكمن دوافع بعض هؤلاء في الرغبة في إظهار المعرفة؛ عبر إبراز نقاط ضعف الآخرين والتقليل من شأنهم، يساعدهم في ذلك الاختباء وراء أسماء وهمية في وسائل التواصل.
وختامًا، فإننا نؤكد أننا لا نحاول هنا أن نمنع أو أن نقمع محاولات النقد البناء، أو أننا ندعو إلى التصفيق لكل ما يُكتب؛ فالساحة مفتوحة، وللجميع حق نقد ما يقرأ، لكننا ندعو إلى تهذيب ذلك بشكل يساعد على مزيد من الكتابة والإنتاج الفكري، وذلك بالتأكيد على الحرص على الكتابة السليمة من الأخطاء قدر الإمكان من جهة، واستدامة التعليق على ما يُكتب من أخطاء لغوية بكل لباقة وأدب، أو بصورة فردية، دون تنمر ودون أن يكون الهدف منها التشهير أو التقليل من مكانة كاتب ما، أو رغبة في الصعود على أكتاف الآخرين، من جهة ثانية.
yousefalhasan@
