مقالات الكتاب

فتوح

قبل مائة يوم، استخرجت من مكتبتي المصحف المفسر للمرحوم محمد فريد وجدي، الذي اشتريته ربما قبل عشرين سنة ولم أراجعه إلا قليلًا. وهو تفسير مع المصحف على نفس صفحات الكتاب. وميزته أنه ليس طويلًا، ولا هو بالقصير المخل، ووضع تفسيرًا للكلمات التي تحتاج إلى تفسير، ثم تفسيرًا إجماليًا للمعاني التي جاءت بها السور الكريمة. وجاء في مقدمة التفسير قول وجدي- رحمه الله: أما بعد، فإني في حوالي سنة 1323هـ حاولت أن أقرأ القرآن قراءة تدبر وفهم، كما أمر به موحيه- سبحانه وتعالى- فأعوزني…. فأخذت أضع لنفسي تفسيرًا يعطي الألفاظ العربية حقها من البيان، ثم رأيت أن أتم التفسير وأطبعه ليعم انتشاره”.
وقد وجدت كنوزًا من التفسير فيه. فمثلًا لما وصل إلى آية الأحزاب “ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه” قال: كانت العرب تقول إن اللبيب عنده قلبان في جوفه. فجاء القرآن ونفى هذه الخرافة. وراجعت تفسير كلمة” ليثبتوك” في سورة الأنفال. قال تعالى” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك” فقال معنى” ليثبتوك” أي ليشلوا حركتك. وهو تعبير عصري مرادف لكلمة ليوثقوك التي اعتمدها كثير من المفسرين. أما لما جاء عند تفسير كلمة” الصمد” في سورة الإخلاص، فقال رحمه الله: الصمد أي مقصود كل حي لإمداده بما فيه وجوده وبقاءه. وقال في تفسير” شديد المحال” الواردة في سورة الرعد، أي شديد الكيد. وذلك تفسير أقرب من شديد القوة.
وقد اتصلت بصاحب إحدى دور النشر المعتبرة التي تطبع الكتب القيمة، فتردد كثيرًا ثم قال: لعل المفسر على مشرب الإمام محمد عبده؛ فإن كان كذلك فلا نرغب في طباعة التفسير. فقلت له عندي حل وسط، وهو أن تطبعوه وتضيفوا ملاحظات العلماء على الهامش، لكن يبقى التفسير كما أراده مصنفه.
والناشر عنده حق؛ لأن التفسير هذا لمّا جاء إلى سورة الفيل، قال: ولا مانع أن تكون طير الأبابيل جراثيم فهي طيور. وذلك مخالف لما فهمه وشاهده العرب مشاهدة عيان، ولو كانت جراثيم لأصابت قريشًا لكن هذي الطيور الأبابيل لم تضرب إلا جيش أبرهة ومن معه.
ويبقى أن المصحف المفسر عامر بالفتوح، فجزى الله صاحبه خيرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *