مقالات الكتاب

ثقافة الادخار

نحتاج أن نغرس في نفوس طلابنا منذ الصغر ثقافة الادخار، لا كدرسٍ نظري عابر، بل كأسلوب حياة وسلوك يومي يرافق الإنسان في كل مراحل عمره. فالادخار ليس مجرد الاحتفاظ بالمال، بل هو وعي، وانضباط، وفهم عميق لقيمة النعمة وكيفية إدارتها بحكمة. الطفل الذي يتعلم منذ سنواته الأولى كيف يتعامل مع مصروفه البسيط، وكيف يؤجل بعض رغباته، هو نفسه الشاب الذي سيكون قادرًا مستقبلًا على إدارة دخله، واتخاذ قرارات مالية متزنة، بعيدًا عن التهور والاستدانة غير المدروسة. تعليم الادخار في الصغر يكوّن لدى الطالب مفهوم الفرق بين الحاجة والرغبة، بين ما هو ضروري وما هو كمالي. كثير من مشكلاتنا المالية في الكبر سببها أننا لم نتعلم هذا الفرق مبكرًا، فكبرنا ونحن نخلط بين الضروريات والكماليات، وننفق بدافع العاطفة أو التقليد أو المظاهر. بينما الطفل الذي يُدرّب على تخصيص جزء من مصروفه للادخار، ولو كان مبلغًا بسيطًا، يتعلم الصبر، والتخطيط، والانتظار؛ من أجل هدف أكبر. ولا يقف الادخار عند المال فقط، بل يجب أن يتوسع المفهوم ليشمل كل جوانب الحياة. ادخار الوقت مثلًا لا يقل أهمية عن ادخار المال، فالوقت هو رأس المال الحقيقي للإنسان. الطالب الذي يتعلم تنظيم وقته، واحترام المواعيد، وتجنب التسويف، سيجد نفسه متقدمًا على أقرانه في التحصيل العلمي وفي حياته العملية لاحقًا. الوقت الضائع لا يمكن تعويضه، وتعليم الأبناء قيمته منذ الصغر يجعلهم أكثر إنتاجية وانضباطًا. كذلك ادخار الجهد، فليس كل تعبٍ محمود، وليس كل انشغالٍ نافع. تعليم الطلاب كيف يعملون بذكاء لا بكثرة الحركة فقط، وكيف يخططون قبل البدء، وكيف يختصرون الطريق بدل الدوران، هو نوع من الادخار الذي ينعكس على طاقتهم النفسية والجسدية. ويدخل في ذلك أيضًا ادخار الصحة، عبر نشر ثقافة الغذاء السليم، والنوم المنتظم، وممارسة الرياضة، والابتعاد عن العادات الضارة؛ فالصحة إذا ضاعت صعب تعويضها، والوقاية دائمًا أقل كلفة من العلاج. ومن أعمق صور الادخار، ادخار المشاعر والعلاقات. أن يتعلم الطالب منذ صغره كيف يختار أصدقاءه، وكيف لا يهدر مشاعره في علاقات مؤذية أو سلوكيات سلبية، وكيف يحترم ذاته وحدوده. هذا النوع من الادخار يحميه من كثير من الصدمات والانكسارات في المستقبل، ويصنع شخصية متوازنة وواعية. دور الأسرة هنا أساسي، فهي المدرسة الأولى التي يتلقى منها الطفل مفاهيمه وسلوكياته. عندما يرى الأبناء آباءهم وأمهاتهم يخططون للإنفاق، ويدخرون، ويتحدثون عن الأولويات، فإنهم يتعلمون دون محاضرات. ثم يأتي دور المدرسة في تعزيز هذه القيم عبر المناهج والأنشطة، وليس فقط عبر الأرقام والمعادلات، بل من خلال مواقف حياتية عملية. كما أن للمجتمع والإعلام دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة الادخار بدل ثقافة الاستهلاك والمظاهر. وفي ظل رؤية المملكة 2030، التي تركز على الاستدامة وجودة الحياة ورفع كفاءة الفرد، تصبح ثقافة الادخار ضرورة وطنية، وليست خيارًا شخصيًا فقط. فالمواطن الواعي ماليًا، المنظم في وقته، الحريص على صحته، هو عنصر فاعل في تنمية وطنه واستقراره الاقتصادي والاجتماعي. الادخار لا يعني الحرمان، ولا يدعو للبخل، بل هو توازن وحكمة وحسن تصرف. هو أن تعيش اليوم وأنت تفكر في الغد، وأن تستمتع بما لديك دون إسراف، وأن تشكر النعمة بالحفاظ عليها. وإذا نجحنا في تعليم أبنائنا هذه الثقافة منذ الصغر، فإننا نؤسس لجيل أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة وثبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *