البلاد (الرياض)
في تطور سياسي لافت، أعلنت هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، اليوم الجمعة، حلّ المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء جميع مكاتبه في الداخل والخارج، وذلك استعدادًا للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب عقده في الرياض، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة ضبط المسار السياسي للقضية الجنوبية وفتح صفحة جديدة قائمة على الحوار والتوافق.
وجاء القرار، بحسب بيان رسمي صادر عن الهيئة، بعد تقييم شامل لمسار المجلس منذ تأسيسه، حيث أقرّ أعضاؤه بعدم تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها، والمتمثلة في تمثيل القضية الجنوبية وقيادتها نحو تحقيق تطلعات أبناء الجنوب واستعادة دولتهم، مؤكدين أن المشروع لم يكن يهدف إلى احتكار القرار أو الانفراد بالسلطة أو إقصاء بقية المكونات.
وأوضح البيان أن تأسيس المجلس كان استجابة لتطلعات شعبية مشروعة، إلا أن ممارساته خلال الفترة الماضية، إلى جانب التطورات الميدانية والسياسية، أظهرت وجود انحرافات عن المسار المرسوم، وهو ما استدعى اتخاذ قرار الحل باعتباره خطوة تصحيحية تفتح المجال أمام مسار جديد قائم على الشراكة والتمثيل الشامل.
وأشار أعضاء المجلس إلى أنهم لم يشاركوا في اتخاذ قرار إطلاق العملية العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، معتبرين أن تلك العملية ألحقت أضرارًا بالغة بالقضية الجنوبية، وأسهمت في تعميق الانقسامات الداخلية، وأضعفت وحدة الصف الجنوبي، وأثرت على العلاقة مع تحالف دعم الشرعية في اليمن الذي تقوده المملكة العربية السعودية.
وأكد البيان أن الأحداث الأخيرة في تلك المحافظات، وما رافقها من تصعيد ورفض لمبادرات التهدئة، كانت من بين العوامل الرئيسية التي عجّلت باتخاذ قرار الحل، في ظل ما نتج عنها من تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على الجنوب واليمن عمومًا.
وفي سياق متصل، وجهت قيادات المجلس المنحل انتقادات مباشرة لقيادته السابقة، معتبرة أن المجلس تحوّل إلى أداة لتحقيق مصالح شخصية، وأن قراراته الأخيرة أسهمت في إضعاف القضية الجنوبية بدلًا من تعزيزها، وأفقدتها جزءًا من مكاسبها التي تحققت في محطات سياسية سابقة، من بينها مخرجات الحوار الوطني الشامل عام 2014، واتفاق الرياض عام 2019، وقرار نقل السلطة عام 2022.
كما اعتبر البيان أن قرار الحل يعكس ثقة المكونات الجنوبية في جهود المملكة العربية السعودية الرامية إلى إيجاد حل عادل ومستدام للقضية الجنوبية، مؤكدًا أن مؤتمر الرياض المرتقب يمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة رؤية سياسية موحدة تستند إلى الحوار، وتضمن تمثيل جميع القوى والمكونات دون إقصاء.
وأشاد أعضاء المجلس بالدور السعودي في استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبرين أن المملكة أبدت التزامًا واضحًا بدعم حل عادل يراعي تطلعات أبناء الجنوب ويحفظ وحدة الصف، داعين جميع القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية الجنوبية إلى الانخراط في هذا المسار بروح وطنية ومسؤولية تاريخية.
على الصعيد الأمني، وصلت دفعة جديدة من قوات “درع الوطن” إلى مدينة عدن، التي تشهد استقرارًا أمنيًا لليوم الثالث على التوالي، في ظل تنسيق متزايد مع “ألوية العمالقة” لتأمين المؤسسات الحكومية وحماية المرافق الحيوية.
وكانت قوات “درع الوطن” قد أكدت في بيانات سابقة أن مهامها تتركز على تعزيز الأمن والاستقرار، وحماية المؤسسات العامة والخاصة، والمساهمة في ترسيخ حضور الدولة في مختلف المناطق.
من جانبه، شدد رئيس هيئة الأركان اليمنية الفريق صغير بن عزيز على ضرورة دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارة الدفاع، محذرًا من أن تعدد الولاءات داخل المؤسسة العسكرية يشكل تهديدًا مباشرًا لكيان الدولة ووحدتها.
وجاء قرار حلّ المجلس الانتقالي بجميع هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإغلاق مكاتبه داخل اليمن وخارجه، عقب تقييم شامل للأحداث المؤسفة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما تبعها من تعثّر جهود التهدئة واحتواء التصعيد، الأمر الذي أفضى إلى تداعيات بالغة الخطورة على المستويات كافة.
وأقرّت القيادات بفشل المجلس في تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها، وفي مقدمتها قيادة وتمثيل القضية الجنوبية بما يلبي تطلعات أبنائها، مشيرة إلى أن قرارات قيادته أسهمت في الإضرار بالقضية، نتيجة تغليب المصالح الشخصية لعيدروس الزبيدي وسعيه للانفراد بالسلطة وإقصاء الآخرين.
كما أظهرت تطورات المشهد اليمني أن المجلس كان يُستخدم كأداة بيد الزبيدي لاستغلال القضية الجنوبية العادلة والمزايدة بها لتحقيق مكاسب خاصة، على حساب المطالب الحقيقية لأبناء الجنوب، وهو ما ألحق أضرارًا جسيمة بالقضية، وأسهم في تقويض ما تحقق من مكتسبات عبر مخرجات الحوار الوطني الشامل (2014)، واتفاق الرياض (2019)، وقرار نقل السلطة (2022).
ويعكس إعلان الحلّ ثقة المكونات الجنوبية في صدق الجهود التي تبذلها المملكة لإيجاد حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية، لا سيما بعد أن أثبتت مغادرة الزبيدي إلى الإمارات تخليه عن فريقه في أكثر اللحظات حساسية، وتنصّله من مسؤولياته تجاه القضية التي يزعم الدفاع عنها.
وأكدت قيادات المجلس في بيانها أنها لم تكن طرفًا في اتخاذ قرار إطلاق العملية العسكرية في حضرموت والمهرة، معتبرة أن هذه الخطوة ألحقت ضررًا بوحدة الصف الجنوبي، وأحدثت شرخًا في العلاقة مع تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة، الذي قدّم تضحيات كبيرة ودعمًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا لليمن منذ تأسيسه.
وأوضحت القيادات أنها ستواصل العمل لتحقيق الهدف الجنوبي من خلال الإعداد لمؤتمر جنوبي شامل برعاية المملكة، يهدف إلى إيجاد حل عادل للقضية عبر حوار جامع بين مختلف المكونات الجنوبية، بما يضمن حق الشعب الجنوبي في استعادة دولته وفق إرادته وتطلعاته، ويسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.
كما ثمّنت ما صدر عن المملكة من التزامات واضحة تجاه القضية الجنوبية، وتبنّيها لحلول تستجيب لتطلعات أبناء الجنوب وإرادتهم، داعية جميع القوى والمكونات والشخصيات الجنوبية إلى الانخراط في مسار مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل بما يعبّر عن تطلعاتها وإرادتها الحرة.
وفي السياق ذاته، أكدت مكونات وأبناء المحافظات الجنوبية رفضهم القاطع لأي إجراءات أحادية تمس جوهر القضية، مشددين على أن الحل يجب أن يكون ثمرة حوار مؤسسي وشامل، يضمن مشاركة جميع القوى والمكونات والشخصيات الجنوبية، ويجسّد الإرادة الشعبية والتوافق الوطني.
وشدد البيان على أن المرحلة الراهنة التي يمر بها الجنوب تتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية، واستيعابًا لحساسية الظرف، وتكثيف الجهود للحفاظ على المكتسبات، وحماية الجنوب من الفوضى والاختلالات، إلى جانب اتخاذ قرارات شجاعة يكون هدفها الأسمى حماية الإنسان، وصون الأمن، والحفاظ على مؤسسات الدولة.
