الفن

سعيد الطحان : مجنون أم كلثوم .. خسر ثروته ومات فرحاً بنصر أكتوبر

القاهرة – نرمين عباس

بالتأكيد لم تمر حفلة لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم إلا وسمعت هتافا يأتى من بين الحضور مردداً “عظمة على عظمة يا ست”.

إنه ” سعيد الطحان” أو كما يلقب “مجنون سوما”.. صاحب المقولة الشهيرة التى خلدها التاريخ، ويعد الطحان أحد أعيان محافظة الغربية، وواحداً من أكبر التجار هناك نظراً لإمتلاكه العديد من الأراضى الشاسعة من الخضروات والفواكه، فضلاً عن إمتلاكه مصانع منتجات حيوانية ومطاحن وتنوعت أعماله بين زراعة القطن والأرز.

فى العام 1935 وبجلباب مصري تقليدي “سدِيرى وجِبه وقفطان”، حضر الطحان أول حفلة لكوكب الشرق والتى كانت تنادى حينها “الآنسة أم كلثوم”، وكان الحاج سعيد شاباً صغيراً وقتها، ومنذ الوهلة الأولى التى غنت فيها “الآنسة أم كلثوم” سرق صوتها قلب سعيد الشاب المجتهد الذى لا يجد وقتاً لممارسة هواياته لإنشغاله الشديد بالعمل بإستثناء حضور حفلات أم كلثوم التى لم يترك لها حفلة إلا وحضرها حتى خارج مصر لدرجة أنها لاحقها فى جميع حفلاتها على مدار 30 عام كاملة، وفى عام 1973 وهو عام النصر، أعلنت مصر نصر حرب أكتوبر العظيم ومع فرحة الحاج سعيد الشديد ووطنيته المخلصه لم يتحمل الفرحة ليتوفى من شدة السعادة بنصر أكتوبر العظيم ويرحل صاحب أشهر مقولة خلدها التاريخ “عظمة على عظمة يا ست” ويترك لنا بصمة مميزة تجعلنا نتذكر “مجنون سوما” كلنا غنت تلك السيدة “العظمة”.

** سقط مغشيا بين الحضور
فى أحد الحفلات حينما غنت كوكب الشرق “سيرة الحب” لأول مرة صرخ الحاج سعيد قائلاً لها “تانى يا ست ده انا جايلك من طنطا” فأشارت إليه كوكب الشرق وغنت “ياما عيون شغلونى لكن ولا شغلونى.. إلا عيونك إنت دول بس اللى خدونى.. وفى حبك أمرونى”

لم يتمالك سعيد نفسه بعدها ليسقط مغشياً عليه بين الحضور، وتنزل سريعاً كوكب الشرق من على خشبة المسرح لتساعد فى إيفاقة الحاج سعيد الذى “أغم عليه” حينما غنت كوكب الشرق له

**«قصة “عظمة على عظمة يا ست
فى العام 1964 بمسرح حديقة الأزبكية، كانت تعزف الفرقة المقدمة الموسيقية لأغنية “أنت عمرى” والتى كانت حدثاً فريداً مرتقب من الجميع لأنها كانت أول عمل فنى يجمع بين كوكب الشرق وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب
ظل عبد الوهاب قلقاً من مسألة تقبل الجمهور للحن خاصة أنه أصر على إدخال الجيتار الكهربائى لأول مرة إضافة إلى تخصيصه جمل موسيقية منفردة يقوم بعزفها كل عازف على حده، من بين العازفين كان عازف الكونترباص عباس فؤاد والذى لم يسبق له عزف الصولو منفرداً، فكان التحدى أمامه صعباً لكنه أثبت لنفسه أنه جدير بذلك التحدى حينما أشاد به موسيقار الأجيال فى البروفات ليعلق على عزفه قائلاً “دى حاجه عظمه” لتلتصق كلمة عظمة بإسمه لينادى بين زملائه بالفرقة بـ “عباس عظمة”
ما إن بدأت الفرقة فى عزف اللحن بالحفل حتى أتى دور “عباس فؤاد” ليعزف أمام الجميع عزفاً مبهراً أبهر الحضور والموسيقيين الأمر الذى دفع عبد الوهاب للصياح “عظمة على عظمة على عظمة”، لتلتقط سريعاً أذان الحاج سعيد الجملة ليقف مردداً وبصوت مرتفع “عظمة على عظمة يا ست” لتصبح واحدة من أشهر الجمل التى تتردد على مسامعنا كلما إسمتعنا لأحد حفلات أم كلثوم، وإستعان بها مشاهير الفنانين كالفنان “سعيد صالح” بمسرحية مدرسة المشاغبين حينما ردد ” إيه الحلاوة دى.. عظمه على عظمه ياست”

«الأسرة لم تمنعه من حضور حفلات الست..»
لم تمنع مسؤولية الأسرة الطحان من حضور حفلات أم كلثوم أو أوقفت شغفه وحبه لها، فظل بعد تكوين أسرة يصطحب عائلته معه لحضور الحفل الذى تقيمه أم كلثوم فى أول خميس من كل شهر، ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد فحسب، فقد كان يلاحقها فى كل حفلاتها حتى خارج مصر، لدرجة أنه قام ببيع أحد الأراضى لحضور حفلاتها فى باريس وظل يتبعها فى ليبيا وكل دولة تذهب إليها

**سر حب الطحان لأم كلثوم
حينما سئل سعيد عن سر الحب والتعلق الشديد بكوكب الشرق أجاب قائلاً “ده كلامها زى الشهد.. زى الأكل وحياتك كده.. أنا بحس إنها بتغنيلى لوحدى.. أنا كنت بحس إنى فى الصالة لوحدى”

وكان تلك الإجابة عن سر حبه وحضوره الدائم لحفلات كوكب الشرق وسر حرصه الشديد على الجلوس فى الصف الأول المواجه للمايكروفون حتى إعتادت على تصويره الكاميرات وأصبح الجمهور يفتش عنه فى كل حفل لكوكب الشرق
إعتادت أم كلثوم تواجد الحاج سعيد الدائم بحفلاتها حتى أنها أصبحت تفتقده كلما غاب وتسأل عنه.. وظل الحاج سعيد أهم الحضور وأميزهم نظراً لحضوره الطاغى وصوته الذى يلازم كوكب الشرق طوال الحفل وترديده “تانى يا ست.. ده أنا جايلك من طنطا” فتلبى كوكب الشرق مطلبه وتقوم بإعادة الكوبليه مرة أخرى

**عشق لدرجة الجنون والوله
لم يكن هوس الحاج سعيد بأم كلثوم عادياً بل وصل لدرجة الجنون التى جعلته يترك أمواله تسرق دون أن يشعر. ففى أحد المرات كان يحمل شيكاً بمبلغ 30 جنيه مصرى وهو من المبالغ الكبيرة آنذاك، وأثناء سيرة بالطريق إستمع لصوت كوكب الشرق يأتى من أحد المقاهى الشعبية ليوقف السيارة بمنتصف الطريق ويتبع صوت الراديو حتى يصل إليه ويسقط منه الشيك ويسرق وتحفظ سيارته التى إقتادتها الشرطة للحجز لأنه تركها بمنتصف الطريق وذهب
وفى أحد المرات فقد حقيبة كبيرة من المال أثناء إستعجاله لحضور حفل كوكب الشرق فسرقت منه شنطة الأموال
ومن بين المواقف الأخرى تم سرقة الحاج سعيد نظراً لإستعجاله دخول حفل كوكب الشرق دون أن يلتفت للمال
** الست ورحلة بحثها عن الطحان ووفاته

مع توالى خسائر الحاج سعيد بسبب التكاليف المرتفعة التى ينفقها لحضور حفلات الست، قام ببيع قطعة أرض كبيرة يملكها ليستطيع إمتلاك تذكرة حفل أم كلثوم بباريس، ففقد ثروته التى أنفقها على حفلات الست ولم يتمكن من حضور حفلاتها بعد وإكتفى بالإستماع إليها فى الراديو

ومثلما إنشغل الحاج سعيد بصوت أم كلثوم إنشغلت أم كلثوم بحضوره، فبدأت تفقده فى حفلاتها وتبحث عنه حتى جاء اليوم الذى تأكدت فيه كوكب الشرق من أن الحاج سعيد قد أصابه مكروه ما جعلها تسأل عنه علها تعرف سبب غيابه وحين أخبروها بحقيقة الأمر وإفلاسه الذى أسقطه مريضاً قامت بزيارته على الفور وأعادت إليه الأرض التى باعها ليتمكن من الحضور لحفلاتها وأهدته “راديو” وأخبرته “إسمعنى من الراديو كل حفلة” وأهدته أيضاً شرف الحضور المجانى لكل حفلاتها حتى لا يتكبد عناء إنفاق كل ما يملك لحضور حفلات كوكب الشرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *