رحلت شمس، وما أصعب رحيل من كانوا شموساً تضيء حياتنا، فإذا غابوا تركوا في القلوب ظلمة لا تبددها الأيام، وفراغاً لا يملؤه أحد!
رحلت ابنة عمي الغالية، أخت عمري ورفيقة حياتي وصديقة أيامي، بعد رحلة قاسية مع المرض، بدأت بالفشل الكلوي وانتهت بمعاناة صحية وآلام مبرحة، نسأل الله أن يجعلها كفارة لذنوبها ورفعة لدرجاتها، وأن يكتبها في الشهداء.
لم تكن شمس مجرد ابنة عم، بل كانت صاحبة قلب كبير وأيادٍ بيضاء، كريمة معطاءة، محبة للأهل والضيوف، وقد شهدت أيام مرضها على مكانتها في قلوب الناس؛ فما انقطعت الزيارات ولا توقف السؤال عنها.
بكيناها بحرقة، وافتقدناها بمرارة، لكن عزاءنا في رحمة الله الواسعة وعظيم أجر الصابرين.
ولكن خلف هذا الحزن حكاية أخرى لا أستطيع تجاوزها!
رحلت شمس في مستشفى الملك عبدالعزيز بالطائف، وتركت وراءها، إلى جانب ألم الفراق، تساؤلات موجعة عن تجربتها العلاجية وحقوق المريض وأسرته.
وأقول ذلك، وأنا ممن أشادوا كثيراً بالخدمات الصحية في الطائف، ولا تزال ثقتي كبيرة بمنظومة الصحة في بلادنا، ولكن الثقة لا تعني الصمت عن الملاحظات، والإشادة لا تمنع النقد حين يكون هدفه الإصلاح.
بدأت معاناتها بمشكلة مرتبطة بقسطرة غسيل الكلى، وتجمع دموي صاحبته نوبات متكررة من ارتفاع الحرارة. وتباينت الآراء الطبية بشأن التدخل الجراحي؛ فبين من رأى ضرورة العملية ومن حذر من خطورتها، عاشت الأسرة فترة عصيبة من القلق والترقب.
ثم أُبلغنا بتلاشي الكتلة، فحمدنا الله، وخرجت شمس، لكنها عادت بورم صغير في الرقبة أخذ يكبر، بينما كنا ننتظر نتيجة الخزعة التي لم تُعلن للأسرة قبل وفاتها.
وهنا أتساءل: هل كان بالإمكان تسريع الإجراءات، أو الاستعانة بمراكز تخصصية أخرى؟ ولماذا تجد بعض الأسر نفسها أمام اقتراحات متفرقة بالانتقال بين المستشفيات، بدلاً من وجود مسار واضح للتشاور والإحالة؛ متى استدعت الحالة ذلك؟
وإذا كان المرض قد أوجع جسدها، فإن بعض تفاصيل إقامتها أوجعت روحها!
فقد نُوّمت في غرفة تضم عدة مريضات؛ إحداهن تصرخ باستمرار، ما ضاعف معاناتها النفسية. ألا تستحق المريضة بيئة علاجية تراعي حالتها الصحية والنفسية، وتعينها على احتمال آلامها؟
ثم خرجت شمس من المستشفى وهي تعاني من نقص شديد في الأكسجين، دون أن تتلقى أسرتها- وفق ما أفادت- الإرشادات الكافية للتعامل مع احتياجاتها المنزلية، ودون توفر جهاز الأكسجين لديها عند الخروج، لتجد الأسرة نفسها في سباق مع الوقت لتأمينه!
فأين التنسيق بين الأقسام المعنية والخدمة الاجتماعية لضمان خروج آمن للمريض؟
أما أشد ما آلمني، فهو ما نقله أهلها عن بعض ممثلي المستشفى من عبارات تربط تقدمها في العمر بقرب الوفاة، حتى إن أحدهم استشهد بحديث «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين»!
أهذه مواساة تقدم لأسرة تتشبث بالأمل؟
إن المصارحة بصعوبة الحالة واجب مهني، ولكن الرحمة في إيصال المعلومة واجب إنساني. فالمريض ليس رقماً في سجل طبي، ولا عمراً يُقاس بما تبقى من سنواته.
وإلى المسؤولين عن القطاع الصحي أقول:
هذه ليست دعوة لإدانة مستشفى، وإنما شهادة أسرة عاشت تجربة مؤلمة، وتساؤلات تستحق المراجعة والتوضيح؛ فكرامة المريض وجودة رعايته والتواصل الواضح مع أسرته حقوق لا ينبغي أن تغيب.
ولأن الإنصاف واجب، أسجل شكري وتقديري لمركز غسيل الكلى الذي كانت شمس تتلقى فيه علاجها؛ فقد كان العاملون فيه نموذجاً للرعاية وحسن التعامل، وكانت تعود من جلساتها مسرورة رغم مشقة المرض.
وأعود إليك يا شمس!
لم أكتب عنك لأجدد أحزاني، فحزني عليك لا يحتاج إلى كلمات، وإنما كتبت لأنك كنت غالية في حياتك، وستظلين غالية بعد رحيلك، ولعل معاناتك تكون سبباً في تخفيف معاناة مريض آخر.
رحمك الله يا شمس، وجعل ما أصابك طهوراً ورفعة، وجمعنا بك في جنات النعيم، حيث لا مرض ولا ألم ولا فراق.
ورحلت شمس
