في إحدى المناسبات العائلية، دار نقاش بين اثنين من أبناء العمومة حول سوار إلكتروني جديد قادر على تتبع النوم، وعدد الخطوات، ونبضات القلب، ومستوى التوتر، ومجموعة متزايدة من المؤشرات الحيوية. كان أحدهما يستعرض الرسوم البيانية اليومية بإعجاب، بينما يقارن الآخر بين الأجهزة، التي تقدم تحليلات أكثر دقة، وكأن صحة الإنسان أصبحت مشروعًا إحصائيًا متواصلًا.
لم يكن الجميع في المجلس يشاركهما الحماس. فقد تدخل عدد من كبار السن الذين ينتمون إلى جيل مختلف تمامًا في نظرته للحياة. قال أحدهم بهدوء:” عشنا أعمارنا ونحن نعرف متى نتعب ومتى نرتاح، ولم نكن بحاجة إلى جهاز يخبرنا بذلك”. وأضاف آخر:” المشكلة ليست في السوار، بل في الإنسان الذي أصبح يقيس حياته بالأرقام أكثر مما يعيشها”. ثم طرح ثالث سؤالًا بدا أكثر عمقًا من مجرد اعتراض على التقنية:” كل هذه البيانات التي تجمعها الأجهزة.. من يملكها؟ ومن يضمن ألا تتحول يومًا إلى وسيلة لمراقبة الإنسان بدلًا من خدمته”؟.
قد تبدو هذه الملاحظات انعكاسًا لفجوة بين جيلين، لكنها في الحقيقة تلامس سؤالًا أكبر: ماذا يحدث عندما تتحول تجربة الإنسان اليومية إلى سلسلة لا تنتهي من البيانات؟
قبل سنوات قليلة، كان تتبع المؤشرات الحيوية ممارسة مقتصرة على الرياضيين، أو المرضى أو المهتمين بالتقنية. أما اليوم، فقد أصبحت الساعات الذكية، والخواتم الرقمية، والأساور الصحية جزءًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، خصوصًا بين الشباب. ولم يعد اقتناؤها مرتبطًا بالحاجة الصحية، بقدر ما أصبح جزءًا من ثقافة جديدة ترى أن كل شيء يستحق القياس، وأن كل رقم يحمل وعدًا بحياة أفضل.
لكن هذا الوعد يستحق مراجعة أكثر هدوءًا.
في تقرير مطول نشرته صحيفة The Guardian، تناول الكاتب ظاهرة التتبع الذاتي؛ بوصفها تحولًا ثقافيًا يتجاوز مجرد استخدام الأجهزة الذكية. فقد وصف كيف أصبح بعض الأشخاص يسجلون عشرات التفاصيل اليومية، من ساعات النوم إلى النشاط الاجتماعي، وحتى عاداتهم الغذائية، في محاولة لفهم أنفسهم عبر البيانات. إلا أن التجربة كشفت مفارقة لافتة؛ فبدلًا من أن تمنحهم هذه الأدوات شعورًا أكبر بالسيطرة، بدأت تدفعهم إلى مراقبة أنفسهم بصورة مستمرة، حتى أصبح التطبيق يسألهم عدة مرات يوميًا عن حالتهم المزاجية، وكأن الإنسان بات يحتاج إلى شاشة لتفسير مشاعره.
هذه الملاحظة لا تقف عند حدود الانطباعات الشخصية. فمراجعة علمية شاملة نشرتها المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، واستعرضت نتائج 67 دراسة حول ظاهرة” الذات الكمية” (Quantified Self )، خلصت إلى أن لهذه التقنيات فوائد محتملة في تعزيز بعض السلوكيات الصحية، لكنها في الوقت نفسه دعت إلى دراسة ما وصفته بـ”الجانب المظلم” للتتبع الذاتي. ومن بين أبرز المخاوف التي رصدتها الدراسات: الآثار النفسية والاجتماعية للاعتماد المستمر على القياسات الرقمية، وإشكالات إدارة البيانات الشخصية، والتوتر الناتج عن مراقبة الذات بصورة دائمة، إضافة إلى تزايد حالات التخلي عن هذه الأجهزة بعد الاستخدام لفترات طويلة.
المثير للاهتمام أن المشكلة لا تكمن في دقة الأجهزة، بل في الطريقة التي تغير بها علاقة الإنسان بجسده. فعندما يستيقظ شخص وهو يشعر بالنشاط، ثم يخبره جهازه بأنه لم يحصل على نوم كافٍ، فإن كثيرين أصبحوا يميلون إلى تصديق الجهاز أكثر من الإحساس الطبيعي الذي يشعرون به. وهنا تنتقل التقنية من دور المساعد إلى دور المرجع، الذي يعيد تعريف تجربة الإنسان مع جسده.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما ننظر إلى حجم البيانات التي تجمعها هذه الأجهزة. فهي لا تقتصر على النشاط البدني، بل تشمل أنماط النوم، والموقع الجغرافي، ومعدلات ضربات القلب، وأوقات الحركة، وربما مؤشرات ترتبط بالحالة النفسية. وفي عصر أصبحت فيه البيانات واحدة من أكثر الأصول قيمة، لم يعد السؤال متعلقًا بما تستطيع هذه الأجهزة قياسه، بل بمن يمتلك هذه المعلومات، وكيف يمكن استخدامها، وما إذا كانت ستظل محمية في المستقبل.
ورغم أن هذه التقنيات تقدم فوائد حقيقية في بعض الحالات الطبية، وتساعد بعض المستخدمين على تبني عادات أكثر صحة، فإن تحويل كل تفاصيل الحياة إلى مؤشرات رقمية يحمل مخاطره الخاصة. فليست كل جوانب الحياة قابلة للقياس، ولا كل ما لا يُقاس يفتقر إلى القيمة. فالسعادة، والطمأنينة، والراحة النفسية، وجودة العلاقات الإنسانية، كلها أمور يصعب اختزالها في رسوم بيانية أو تطبيقات ذكية.
ربما لهذا السبب لم تكن كلمات أولئك الرجال في المجلس مجرد حنين إلى الماضي، بل تذكيرًا بحقيقة تستحق التأمل. فالتقدم التقني لا يُقاس بعدد البيانات التي نجمعها عن أنفسنا، بل بقدرتنا على أن نعيش حياة أكثر صحة وحرية واتزانًا. وإذا أصبح الإنسان أسيرًا للأرقام التي تنتجها أجهزته، فقد يكون قد خسر شيئًا لا تستطيع أي تقنية قياسه: القدرة على الوثوق بنفسه، والإصغاء إلى جسده، والاستمتاع بالحياة دون أن تتحول كل لحظة فيها إلى نقطة جديدة في قاعدة بيانات.
هوس التتبع.. وثمن الحياة الرقمي
