اجتماعية مقالات الكتاب

مملكة الشموخ والعزة والمروءة

خيرا تفعل شرا تجد تجار الشعارات خير مثال

رغم عدم قبول المعنى الحرفي للمثل الشعبي “خيرا تعمل شرا تجد” وعدم استساغة دلالاته ومراميه ورغم إدراك خروج هذا المثل عن القيم والبنى التحتية للفطرة السوية التي شكلت سلوك أبناء اجيال الجزيرة العربية الا أننا نواجه مفاهيم تقودنا للتشكيك بالتشكيك في صدقية معانيه الحرفية ولنا في اسلافنا وعلى رأس هؤلاء “مجير ام عامر” القدوة الحسنة بعد أن هلك متأثرا بالفزعة ولهذا ظل اقتران الماضي بالحاضر علامة فارقة في تصحيح المسارات لتجويد المستقبل بما يتلاءم وحاجات الانسان فالتجارب التي تعتبر جزءاً من الماضي تعزز القدرة على تحقيق النجاح فيما يؤدي اغفال الماضي والتفريط بالعبر واهمال مخرجات التاريخ الى الوقوع في الاخطاء الأكثر ايلاما وقد قيل ” اسأل مجرب ولا تسأل طبيب “.

كثيرون يسقطون في الفخاخ المنصوبة سلفا ويتعرضون للخيانة والغدر والنكران لأنهم اغفلوا قراءة التاريخ بإمعان وتدبر – بدوافع جلها خير- مكتنزة بالعواطف زاخرة بالنوايا الحسنة التي لا تشوبها شائبة، وللإنصاف تأتي جميع الافعال الحسنة من باب الامتثال للتعاليم الدينية وتعزيز الاخوة وتأصيل المحبة ونشر السلام والوئام بهدف لم الشمل تطبيقا لقيم سامية تتوارثها الأجيال النظيفة البريئة كابراً عن كابر قبل وبعد الإسلام.

المقدمة أعلاه ليست مرتبطة بالفعل الحسن في مجال دون الآخر بل ليست خاصة بشخص دون مجموعة ولعلنا نستحضر الصدمات المتتالية لتصرفات من بذلنا من اجلهم الغالي والنفيس دون ان نكتشف مبررا واحدا يخفف وطأة فاجعة الصدمة والأمثلة متاحة ماثلة للعيان على المستوى الفردي والجماعي.

دعونا إذن نجسد الواقع ونقرب الصورة ونطرح الأمثلة ونتحدث بوضوح عن انهار المساعدات وجسور الاغاثات وتلك المواقف السياسية النبيلة المشرفة التي لازالت تتواصل في السراء والضراء لشعوب العالم العربي قاطبة منطلقة على صهوة قوافل الخير من ارض السلام المملكة العربية السعودية لإغاثة المحتاج وتضميد جراح العليل بتوجيهات مباشرة من قادة المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه الى يومنا هذا تحت ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عراب الاعمال الخيرية في شتى بقاع الأرض وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله.

المملكة التي تحتفل اليوم بمرور 90 عاما من النماء والرخاء والتقدم حتى باتت ترأس مجموعة العشرين الكبار وترفل بالخيرات ورغد العيش بفضل السياسة الحكيمة ماذا حصدت جراء التضحية من اجل الاشقاء سوى تلميحات وتصريحات وامنيات مفجعة بل حالة من النكران المخجل حتى بتنا نشك أن الايثار جريمة وان التفاني من اجل توثيق أواصر الاخوة خطيئة وان التضحية عمل عبثي بلا معنى قبل ان نكتشف أن الجهلة يعتقدون وجوب تضحياتنا مهما كلف الأمر وقبل ان ندرك مع شديد الأسف أن المصالح والمصالح وحدها يجب ان تحكم العلاقات بما في ذلك العلاقات الفردية ومع هذا لازالت مواقف المملكة مشرفة ثابتة مترفعة عن الصغائر مترقبة لمجازاة العرفان بالشكر والتقدير كأقل واجب.

صحيح ان هناك من يقتات على فرق تسد لأن بقاء البعض مرتبط بتأجيج الخلافات واشعال الحرائق ، صحيح ان الشر حاضر بقدر حضور الخير لكن الأكثر صحة ان الوعي بات شاملا وان الحقائق الناصعة واضحة وضوح الشمس وان الفرق بين الباطل والحق لا يحجب بغربال وأن فرز وتصنيف الوقائع لا يحتاج لجهد في زمن بات مختلفا فقد قيل “حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فلا عقل له”، ولكي نسمي الأشياء بمسمياتها نستعرض ملامح مواقف المملكة بإيجاز من القضية الفلسطينية ، على سبيل المثال لا الحصر فالمساعدات المالية والعينية قفزت بالمملكة الى المرتبة الأولى من حيث الدعم والمؤازرة وفيما يتواصل بناء المدن الفلسطينية على نفقة المملكة وتتدفق أموال الدعم ليعم نفعها الجميع وتتوالى المواقف المشرفة للمملكة من قضية الفلسطينيين في كافة المحافل الدولية ترتفع أصوات الفلسطينيين بالدعاء لقاسم سليماني الذي تولى تصفية الفلسطينيين انفسهم مثلما اهلك الحرث والنسل في سوريا والعراق واليمن ويشنف آذاننا الهمز واللمز وتزكم انوفنا روائح الكراهية بلا ادنى مبرر من قبل متباكين ومتاجرين وكارهين فيما ظلت المملكة ودول الخليج الحضن الدافئ لملايين الفلسطينيين معززين مكرمين متمتعين باستثناءات لم يحصل عليها الاخرون بحكم رسوخ العواطف الفطرية حتى ظلت إسرائيل بالنسبة للمملكة عدواً لا ينبغي ان يحظى بتلويحه عابرة الى ان تقوم دولة فلسطين الموعودة بل ظل الحل ولازال رهن حل الدولتين بينما تأذت مسامعنا ولازالت من قبلات وضحكات وابتسامات متبادلة بين كبار الفلسطينيين والاسرائيليين عيانا بيانا تحت الطاولة وفوقها وظل العلم الإسرائيلي مرفرفا بميادين وشوارع انقرة ذات الحظوة بل تضاعف حجم التجارة في عهد اردوغان حتى بات معظم انتاج الاسمنت والحديد التركي مسخرا لبناء المستوطنات الإسرائيلية ناهيك عن التعاون المتين امنيا وعسكريا وتقنيا اما العلاقات الاسرائيلية الإيرانية فلا يشوبها سوى شعارات بالية على شاكلة “الموت لأمريكا الموت لإسرائيل ” في ظاهرة غريبة حيرت العقلاء ومزقت عقول السذج المغيبين من جملة المتاجرين بالقضية قبل وبعد بلوغ الامر تحقيق حل الدولتين بانفصال وطلاق بائن بين غزة ورام الله لأهداف لا يعلمها الا الله ليس من بينها تحرير فلسطين فقضى التناحر على بقايا الاحلام المغروسة منذ عهد ” ادفع ريالا تنقذ عربيا” ومع كل هذا بقيت مواقف المملكة واضحة ثابتة مشرفة خالية من الشعارات البالية تتقدم دون ان تلتفت للخلف بعد ان خابت آمال الإسرائيلي بمصافحة مسئول سعودي واحد حتى تاريخه، ولم يعب المملكة عدا مرور طائرة مدنية إسرائيلية متجهه لأبو ظبي على ارتفاع 35 الف قدم جاء في اطار قانوني ورغبة إماراتية.

هناك دول عربية انخرطت بالسلام مع إسرائيل وساهمت بشكل او بآخر في تخفيف آلام الفلسطينيين ارتكازا على تلك العلاقات من بينها مصر والأردن وهناك دول عربية بدأت التفكير بحل القضية عن طريق الحوار عبر بناء الثقة واقامة العلاقات مثل الامارات والبحرين وأخرى تقيم علاقات وتستقبل قيادات إسرائيلية وتتناقض اطروحاتها من إسرائيل بحسب اللغة فهي محتلة باللغة العربية وصديق باللغة الإنجليزية ومفهوم السلام مع تل ابيب بالعربي مختلف عن دلالاته بالإنجليزي ولنا فيما تبث الجزيرة باللغتين الدليل القاطع المؤلم المخجل المستخف بالعقول الواعية إضافة الى علاقات متينة راسخة بين الدوحة وتل ابيب منذ عشرات السنين وزيارات متبادلة ليست محل التفصيل.

سيادة الدول ومواقفها لا تقبل المساومة والتشويه والردح والبكائيات والاستمرار برفع الشعارات لمجرد عدم حشد الجيوش للحرب والتحرير بالوكالة عن عشرات الفصائل المتناحرة العاجزة عن المصالحة فيما بينها فجميع الدول التي كانت محتلة تحررت بسواعد أبنائها بفعل صدق النوايا ولا مجال للعتاب بعد ان بلغ السيل الزبى فالشعوب العربية غير ملزمة بمقابلة الإساءة والنكران بالإستمرار بالتضحية والاحسان باختصار لن يكون العرب فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم وبالمقابل لن يستطيع عاقل الاقتداء بالمتاجرين لكسب دعوات ومحبة الكارهين والمغيبين فالفوارق شاسعة بين الإخلاص والنفاق لأن المخلص الصادق الشفاف لا يجيد النفاق فالمروءة تقف سدا منيعا دون ان يتحول لبياع كلام وتاجر شعارات كي يحظى بالتصفيق.

خاتمة
ومنْ يصنع المعروفَ في غير أهله ِ
يلاقي الذي لاقـَى مجيرُ امِّ عامر ِ
أدام لها حين استجارت بقـــــــربهِ
طعاماً وألبان اللـــقاح الدرائـــــــر ِ
وسمـَّـنها حتى إذا مـــــا تكاملــــتْ
فـَـرَتـْهُ بأنيابٍ لها وأظافــــــــــر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *