اجتماعية مقالات الكتاب

الوعي الثقافي

تتمتع القضايا الثقافية في الوعي العربي بقدرٍ كبير من الأهمية، لا سيما ما يتعلق منها بمسألة الهوية، وإن كان أغلب الموضوعات الثقافية لم يتم الاتفاق على مفاهيمها ومحدداتها بشكل دقيقٍ واضح حتى الآن، وفي الواقع تمثِّلُ الثقافة في عالمنا العربي حقلًا معرفيًّا شائكًا يتم تداوله في الغالب دون الغوص فيه بعمقٍ وموضوعية، فكلٌّ منا يرى الثقافة بمنظوره الخاص، وتبعًا لمرجعياته التي يتكئ عليها، فالبعض مرجعياته دينية، والبعض مرتكزاته تراثية، وآخرون منطلقاتهم الثقافية حداثية … وهكذا.

ويُعد مفهوم الهوية من المفاهيم الفضفاضة لاسيما ما يتعلق منها بالجذور الثقافية للهوية؛ إذ تختلف وتتنوع أفكارنا وتصوراتنا عن هوية أمتنا العربية الإسلامية تبعًا لمدخلاتنا ومنطلقاتنا الثقافية والمعرفية التي يؤسس كلٌّ منا رؤيته عليها.

والواقع أن مسألة الصراع بين مفهومي الأصالة والمعاصرة موجودٌ في أمتنا العربية منذ أمدٍ بعيد، وما زال محتدمًا في مساحاتٍ ومناطق كثيرة من الوطن العربي، وخصوصًا في الأروقة الفكرية والمنتديات الثقافية، ونستطيع أن نميز بوضوحٍ بين فصيلين رئيسيين في هذا الصراع المحتدم منذ أكثر من قرنين من الزمان: فصيلٌ يرى أن الحفاظ على هويتنا العربية الإسلامية وما فيها من أصالةٍ وعراقة يُحتم علينا ضرورة اتباع التراث بكل حذافيره وتفاصيله دون ادنى تحديث، والفصيلُ الآخر يرى أن تميز هويتنا لا يتعارض مع الأخذ بكل مبادئ الحداثة وتطوير مجتمعاتنا وعصرنتها، ويتوهم أن التقدم رهن اتباع الاخرين في كل شيء ، بغض النظر عن الاختلافات الفكرية والدينية والاجتماعية لكننا في المملكة العربية السعودية وبحمد الله اخترنا سبيلًا مختلفًا عن هذين الفصيلين هو سبيل الوسطية والتوازن والاعتدال فلا افراط ولا تفريط .

والحقُ أن أزمة الهوية تمتد أفقيًّا لتشمل كل بلدان العالم العربي، ويبلغ الإرباك حده الأقصى في مسألة الهوية في بعض المجتمعات العربية بسبب التداخل المعقد بين الهوية العربية الإسلامية والهويات الفرعية الأخرى التي يندرج تحتها شرائح متنوعة من الناس في هذه المجتمعات.

وقد فرضت الألفية الثالثة للميلاد تحديات عديدة على الأمم والمجتمعات في كل دول العالم تقريبًا فيما يتعلق بمسألة الهوية؛ وذلك بسبب انتشار فكرة (العولمة) وما صاحبها من محاولاتٍ تسعى لإزالة الحدود الفاصلة بين الشعوب وموروثاتها وهوياتها الثقافية المميزة لكل أمة.

لقد اعتمدت (العولمة) على فلسفة التفكيك كمرحلةٍ أولى، ثم على فلسفة المجتمع العالمي المفتوح في مرحلةٍ تالية، وتفترض هذه المرحلة ذوبان الهويات الثقافية المميزة للأمم في إطار هويةٍ عالمية، تسود فيها قيم المنتصر المهيمن حضاريًّا على العالم، وفي سياق هذه الهوية العالمية يتم محو الفوارق المميزة بين هويات الأمم، والانتصار لأفكارِ وقيمِ العولمة على حساب الهوية الخاصة لكل أمة والنابعة من دينها وقيمها وثقافتها الخاصة.

وقد فطنت المملكة العربية السعودية، منذ زمنٍ بعيد، لأهمية الحفاظ على تميز هويتها العربية الإسلامية، وروعيَ ذلك بعمق واعتدال في الإعلام والتعليم، لا بل تمَّ مؤخراً إنشاء وزارةٍ خاصة للثقافة لحماية هويتنا من الذوبان والتحلل!
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *