ملامح صبح

جمال الشعر وعمق الرؤى في نص(المرايا)

رؤية : ماجد الغامدي

لطالما سعى الإنسان إلى تقديم نفسه في مستوى معين من المثالية من خلال أفعاله وصفاته وإنسانيته وآرائه، ولكن الشاعر هنا يقدم ذلك كوثيقة شرف مرجعية يجعلها معياراً يلتزمه رغم صراعات الحياة وتضارب الآراء وتباين المفاهيم، ولست مع من يذهب بعيداً كالمعرّي رحمه الله حين قال (لآتٍ بما لم تستطعْهُ الأوائلُ) ولا المتنبي حين قال (بأنني خيرُ من تسعى بهِ قدمُ) ولكن كحد أدنى أن يسعى الشاعر إلى الوصول إلى مرحلة (الإنسان المستقل)

كما يصفها الدكتور شريف عرفه في كتابه (إنسان بعد التحديث) حيث يرى أن الإنسان في هذه المرحلة ينظر لنفسه كشخص مستقل متميز عن غيره وتقديره لذاته نابعٌ من داخلِه لا من الآخرين أو من معايير خارجية ويكون لديه هويّة ذاتية يسعى لتحقيقها.

تلحظ ذلك في نص (المرايا) حين قال شاعرها:فيـما يخـص المـرايا شـأنها .. مانـي بـنـشَّـادوهو استهلال يرسم مسار القصيدة ويحدد أبعاد محتواها ، و استخدام كلمة (يخص) ينفي تأثيرها على الشاعر فعندما يخصص المتحدث صفةً لطرفٍ ما فهو ينفيها عن شخصه (هو) على الأقل ، فالشاعر لا يأبه عندما يبدي قناعاتِه وآراءَه بما يقال عنها أو بمن يشكك في نقائها فلن يسأل عنها فضلاً عن أن يستمع لها أو يوليها اهتماماً ،

فهو يرنّم إحساسَه على نغمِهِ الخاص بأسلوب واعٍ وهوية فريدة وفنيّة عالية بما يملك من قناعة ورضى وتقدير للذات ويؤكد على أن نظرة كل أحد تنبع من طبيعته ونظرته وفهمه للأحداث فكلٌ يفسر تصرفات الأشخاص من منطلقاته (وجـوهنا فـي مـرايا الـزهـد تقسيـمـات عُـبّـاد) ومع ذلك فهناك من يلجأ للتأويلات عندما يعجز فهمه عن مثاليات الآخرين ..(حصاد الاحساس نستوفيه من قُلّ البصيره) وأسلوب الإنسان وسلوكياته تبقى متأثرة بالمجتمع والمحيط والأقران ،

وتأثير الإيحاءات السائدة هي التي تصوغ العقل الجمعي ، لذلك فنظرة السواد الأعظم وفهمه غالباً تكون أسيرة تلك التاثيرات والبصيرة الموجَهة بفعل تلك الإيحاءات والشاعر هنا بشيءٍ من الإنصاف لا يعمم ذلك فلا زال يرى في بعض المنصفين التفسير العقلاني والنظرة الشمولية التي تراعي السائد والمتأصل خلال سنوات العمر وهي العيّنة التي ترضي الشاعر حيث توازي بين التجارب والتفاعل مع الواقع والتماهي مع ثمرات الفكر والإبداع الإنساني والتنوير ..( بعـض المرايا وطـن تعكـس ملامحـنا للاجــداد // مـن سـاعة الصفر ومْن أول بدايات المسـيره)وبعد هذه اللفتة يعود شاعرنا لقضيته ليؤكد أن التصنيفات الخاطئة جعلته لا يكترث بكثرتها فلا يمارس التظاهر والتصنع لأنه لا يقبل أن يفقد سجيّته (تركيبتي) التي ذكرها آنفاً ،

لتبقى الصورة الحقيقة الأصيلة في طبيعته وبديهته وتلقائيته.(ألـين مـا ضـاع وجهـي كلـما جـيت استعــيره ) الضياع هنا ليس للوجه الحقيقي بل للوجوه التي قد يناسب البعض أن يروه من خلالها (كلـما جـيت استعــيره) فالشاعر في صراع بقاء للوجه الحقيقي الذي ترسمه منابع النُبل والطُهر في داخله.أخلق لـي أعذار وادخلـها عبث فـي باب الاضدادواخـرج من الاعـتقاد بشـك..

وادخل باب حيره وهو هنا يعيد إلى الذاكرة ما قاله المبدع الكبير الشاعر عبد الواحد بن سعود في قصيدة (ليلة وداع التاسعة والثلاثين) حين قال:أقفل قلق وافتح بها باب هوجاس !ثم يوجه عتبه وعجبه على الحانقين الذين يرى أن غيظهم سببُه عجزُهم عن لمس ما يحسه وجهل ما يعتقده إلى الحد الذي يجعله يبتسم في محل الأسى ويُغضِي حيث الحسرة (واضـحك واشوف ان ضحكـاتي على مثلي كثـيره) ثم في درجة أعلى من الأسف يتحدث عن الصُدف التي عادةً ما ترتبط باللقاء وكأنه لايزال يلاقى مِرارا من يحمل نفس فكر الامتعاض والسُخط بينما هو لازال يحمل هَم ما يرى ويحدث ويُقال ..

(يـوم الصدف عـند باب الحظ خـير من الف ميـعاد // كانت رحـى الحظ تطـحنـي علـى نفس الـوتيره) لذلك فلم يعد يجديه العتب لأنه إن عتب فقد يعتب على جموعٍ غفيرة (عشيرة) حتى العتب والعتب لـو يشتعل فـي رؤوس الاشهاد مـع انـي اسـتـنكـره لكن يســوى لـه عـشـيره فلا سبيل سوى أن يتجاهل كل تلك النماذج من البشر فيقول (فـ الـذاكـرة كـل مـا فـ الـذاكـرة مـاعـاد يـنعـادوانا ورب السـمـا مـن يـومـهـا مـاجـبـت ســيرة ) وفي كثير من التحسّر تتجلى الشاعرية والإحساس والنبل في منطق الحكماء في إيجازٍ بليغ وإحساسٍ مرهف في صياغةٍ تؤكد كمال وعيه (بما يدعم رسالة القصيدة) وصدقَ إحساسِه النبيل فيقول :حــزن الـيتامـى طــويـل وهـذه الـدنيـا قصـيرة وكأنه يعيد ما قاله المبدع الكبير أحمد بخيت ولي ما ليس لي ..

خمسون أمّاً ولكنّي يتيــمُ الأُغنياتِ !ويتساءل إن كف عن وجهة أرائه ومنحى أسلوبه فمن يناجي بحنينه الأرضَ ومَن يشكّل طينةَ الأحلام ، ثم بشيءٍ من السخرية يقول امنحوني عيناً إذا كنتم ترون مالا أراه !آتـوب طيـب عطـوني عـين تبــكـي طــينة بـلادالحـالم أبـصر وعـاش الحلـم وأحـلامـي ضريره ولكنه يُفصحُ عن النقيض فهو الذي يرى مالم تسعْهُ أفهامُهم وإن سفّهوا أحلامه وقللوا من رؤاه وأفكارِه ! وإلا عشـانـي تعلـمـت الحـسـاب تمـوت الاعـداد !؟وفي رجاء أخير يختصر الحل بأن يكفّوا عن تتبعِ و مراقبة أفكارِه وطُرقِه ورؤاه ويعتزلونه كما اعتزلهم طـيب عطـوني عـدد منـفي ولا اطلـب شي غيره !قصيدة رائعة توازى فيها جمال الشعر وعمق الرؤى وشاعرها رهينُ محابسٍ شتّى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *