دولية

انطلاق محادثات السويد .. والحوثي يفخخ الجولة قبل بدايتها

ستوكهولم ــ وكالات

تتجه انظار الشارع اليمني إلى العاصمة السويدية ستوكهولم، التي شهدت امس “الخميس” انطلاق الجولة الخامسة من مشاورات السلام بين الحكومة اليمنية الشرعية والانقلابيين الحوثيين، كخامس محطة للمحاولات الدولية الرامية لإنهاء الانقلاب الجاثم على أنفاس اليمنيين منذ أكثر من 4 سنوات.

وقطعت الحكومة الشرعية والتحالف العربي كافة الطرق أمام مليشيا الحوثي، التي كانت تحاول التنصل من اللحاق بالمشاورات هذه المرة، بالسماح للانقلابيين بنقل 50 جريحا من صنعاء للعلاج في الخارج، كما حضر المبعوث الأممي مارتن جريفيث إلى صنعاء، لمرافقة الوفد الحوثي المفاوض إلى ستوكهولم.
الى ذلك أعرب المبعوث الأممي إلى اليمن مارتين جريفيث عن شكره لتحالف دعم الشرعية في اليمن، بقيادة المملكة على الدعم الذي قاد إلى عقد مشاورات السويد بين الأطراف اليمنية.

وأعلن غريفث، إبرام اتفاق لتبادل الأسرى بين الحكومة اليمينة الشرعية وميليشيات الحوثي، وذلك في مستهل المحادثات.
وافتتح غريفث ووزيرة الخارجية السويدية، مارغوت فالستروم، محادثات السلام اليمنية التي ترعاها الأمم المتحدة، في محاولة لإنهاء النزاع الناجم عن انقلاب الحوثي.

وفي مؤتمر صحفي مشترك مع فالستروم في ستوكهولم، قال مبعوث الأمم المتحدة إنه تم التوصل لاتفاق على تبادل الأسرى، مشيدا بـ”فرصة حاسمة” مع بدء المحادثات.

وذكر أن المباحثات ستشمل خفض العنف وإيصال المساعدات الإنسانية والتحديات الاقتصادية، مشيرا إلى أن الأيام المقبلة ستكون علامة فارقة “ويجب ألا يتخلى أي طرف عن دوره”.

وقال غريفيث، إن “الأيام القادمة تمثل علامة فارقة”، حاثا الطرفين قائلا: “لا تترددوا.. دعونا نعمل بحسن نية.. لإيصال رسالة سلام.”
أما فالستروم، فقد حثت على إجراء محادثات بناءة خلال المفاوضات، متمنية أن تتمتع كافة الأطراف بالقوة لإيجاد “تسوية” وأن يتحلوا بالشجاعة وهم يشرعون في المهمة الصعبة التي تنتظرهم.

هذا فيما استبقت الميليشيات الموالية لإيران انطلاق المحادثات بإطلاق دفعة جديدة من التهديدات، في محاولة على ما يبدو لوأد المفاوضات على غرار ما دأب الحوثيون انتهاجه في السنوات الماضية، فقد لجأ القيادي في الميليشيات، محمد علي الحوثي، إلى تويتر لإطلاق أحدث تهديدات جماعة إيران والإعلان عن شروط مسبقة.

وفي تغريدته هدد الحوثي بإغلاق مطار صنعاء أمام طائرات الأمم المتحدة في حال عدم توصل المحادثات الى قرار بفتح المطار أمام الطيران المدني، في ابتزاز جديد للميليشيات الساعية إلى تحويل المطار إلى منصة لاستقبال الأسلحة الإيرانية.

ويستقبل المطار التي تحتله الميليشيات طائرات الأمم المتحدة المحملة بالمواد الإغاثية للشعب اليمني، ولكن ميليشيات الحوثي، وتحت ذريعة فتحه أمام الطيران المدني، تسعى إلى تسهيل عملية نقل الأسلحة من طهران إلى صنعاء على متن طائرات إيرانية.

وهذا الأمر ليس بمستغرب على ميليشيات دأبت على استغلال الموانئ التي تسيطر عليها، على غرار ميناء الحديدة الذي حوله الانقلابيون إلى منصة لتمويل أنشطتهم عبر نهب عائداته والاستيلاء على المساعدات الإنسانية، وتهريب الأسلحة وتهديد الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، طالبت الحكومة اليمنية، بانسحاب كامل للمليشيات من ميناء الحديدة حسب ما نقلت وزارة الخارجية اليمنية عن وزير الخارجية، خالد اليماني.

وقال اليماني، الذي يرأس وفد بلاده الى المحادثات، في تغريدة على موقع “تويتر”، إنه “طالب بخروج الميليشيات الانقلابية من الساحل الغربي بالكامل، وتسليم المنطقة للحكومة الشرعية”.

وتأتي تهديدات وابتزازات الحوثي في وقت تأمل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والدول العربية الداعمة للشرعية في اليمن، في أن تشكل محادثات السويد بارقة أمل للعودة إلى المسار السياسي.
وسبق أن رتب وسطاء سابقون من الأمم المتحدة سلسلة من مساعي السلام، إلا أن تعنت الحوثيين ومراوغاتهم وانقلابهم على تعهداتهم أحبط كافة المحاولات.

ولعل هذا ما جعل المراقبون يميلون إلى عدم ترجيح كفة هذه الجولة، الى اعتبارات في مقدمتها تواصل الخروقات الحوثية، فقد ذكرت وزارة الدفاع اليمنية أن القوات البحرية اليمنية عثرت على لغم بحري زرعته مليشيا الحوثي على مقربة من الممر الدولي، غرب جزيرة بكلان اليمنية في البحر الأحمر قبالة سواحل محافظة حجة.

وتعاملت طلائع القوات البحرية مع اللغم الحوثي وفجرته بعد نقله إلى خور ميدي، بمساعدة خبراء من القوات المشتركة التابعة التحالف العربي.
وفي سياق خروقاتها بتهديد الملاحة الدولية، أقدمت مليشيا الحوثي على تلغيم وتفخيخ الجانب الغربي لجزيرة كمران شمال ميناء الحديدة، وفق مصدر حقوقي.

في سياق الخروقات العسكرية، كسرت قوات الجيش اليمني هجوما حوثيا عنيفا في جبهة قانية بمحافظة البيضاء، كما تصدت لهجوم عسكري عنيف شرقي مدينة الحديدة، في اختراقات حوثية هدفها الالتفاف على التهدئة المتزامنة مع انطلاق محادثات السويد.
الى ذلك فقد أعرب معتقلون سابقون في سجون الانقلاب عن سخطهم من الاتفاقيات التي ترعاها الأمم المتحدة، والتي تشرعن لمليشيا الحوثي مساواة المخفيين قسريا بأسرى الحرب في جبهات القتال.

وقال الباحث السياسي عبدالقادر الجنيد، والمعتقل السابق في سجون الحوثي لقرابة عام كامل “المعتقلون في سجون الحوثي يعدون بالآلاف اختطفوا من بيوتهم ومن نقاط التفتيش في الطرقات والشوارع”، وهي جرائم تنفذ يوميا في المحافظات والمناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا.
وأضاف الحوثيون اعتقلوا مواطنين رفضوا الطاعة لهم، أو عجزوا عن دفع المال أو تقديم متطوعين شباب أو أطفال للقتال في الجبهات، ومنهم بسبب رسائل إخبارية في هواتفهم، والبعض كأسلوب بطش ونشر الخوف، والكثيرون من أجل ترويض الأهل لإحضار أحد أقاربه”.

وذكر الجنيد أنه كان يفترض على الأمم المتحدة أن تجبر الحوثيين على إعادة المخطوفين إلى أهاليهم والتوقف عن ارتكاب جريمة الإخفاء القسري، كونها جريمة دولية ولا تسقط بالتقادم، حسب قوانين حقوق الإنسان العالمية.

وبشأن إجراءات بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، قال الجنيد إنها تتمثل بتبادل الأسرى، وصرف المرتبات، وفتح مطار صنعاء، ووقف إطلاق صواريخ الحوثي إلى الأراضي السعودية وهي هدايا ثمينة للانقلابين، إذ ترفع شأنهم من مليشيا انقلابية عليها قرارات إدانة من مجلس الأمن تحت الفصل السابع إلى “طرف نزاع في اليمن”.

ورأى الجنيد أن السويد لن تحقق أي تقدم في الحل اليمني، فوفد الحوثي يعتقد أن مكاسبه المعنوية في أوساط الليبراليين واليساريين الغربيين ستؤمن له تغطية معنوية ودولية في المرحلة المقبلة، في المقابل لن تفرط الشرعية بالمرجعيات الثلاث.
فيما تذهب الناشطة اليمنية سمر ناصر إلى أن مشورات السويد ستمر كسابقاتها، انطلاقاً من إيمان الشعب اليمني بأن الحوثي لا يقبل بالسلام والحوار كخيار أصيل لإنهاء الحرب التي بدأها بجريمة الانقلاب.

وقالت ناصر في تصريحات صحفية: وفد الحوثي ذهب للمشاورات وهو يرفض مرجعيات الحوار التي يلتف حولها اليمنيون والحكومة الشرعية، كما أن وفد الحوثي لم يقدم أية إجراءات لبناء الثقة، ووصل السويد بعد إصراره بنقل جرحى مقاتليه، بينما آلاف المعتقلين يخضعون للتعذيب ليلا نهارا في سجون الحوثي ويقف العالم عاجزاً أمام تلك المأساة الإنسانية”.

وأكدت أن اليمنيين يجمعون على عدم التفاؤل بنجاح جولة محادثات السويد، وأن الحكومة اليمنية قررت المشاركة كنموذج للدولة لا المليشيا، ويبقى الحل في الضغط الدولي، لا سيما من قبل هيئة الأمم المتحدة على مليشيا الحوثي للقبول بالمرجعيات المعترف بها شعبيا ودوليا وإقليميا.
وعلى غير عادتها، لم تعلن الأمم المتحدة -حتى اللحظة- عن برنامج محدد للمشاورات، حيث اكتفى المبعوث الأممي مارتن جريفيث بالإعلان عن الاجتماعات المرتقبة بشكل عام خال من تفاصيل دقيقة.

ويرى خبراء أن التكتم على البرنامج مقصود من المنظمة الدولية خوفا من بروز تعقيدات جديدة أو تحفظات حول فحوى الجلسات، ما من شأنه إجهاض الجولة، ولا سيما من طرف مليشيا الحوثي التي سبق أن أفشلت محادثات السلام.

لكن مصادر متطابقة ذكرت أن المشاورات ستقتصر على إجراءات بناء الثقة والإطار العام لمفاوضات مقبلة متوقعة والجانب الإنساني.
فالثابت هو أن قبول المليشيا بحضور الاجتماعات هذه المرة يأتي لعدة أسباب، وفق مراقبين في مقدمتها تغير موازين القوى على الأرض، وسيطرة قوات الشرعية على المعادلة الميدانية بدعم وإسناد قوات التحالف.

عامل مهم وقد يكون الأهم يفسره مراقبون بأنه لو كانت الإحداثيات على الأرض في صالح الانقلابيين لما قبلوا أبدا بالجلوس إلى طاولة المشاورات.
لكن ورغم ذلك، تظل المخاوف من إجهاض حوثي محتمل للاجتماعات لأي سبب أمرا واردا للغاية بالنسبة لمليشيات تنتعش من الحرب ويقبرها السلام، تماما كما فعلت في جولات سابقة.

فخلال مشاورات جنيف التي كانت ستنعقد سبتمبر الماضي، رفضت المليشيا الذهاب إلى المدينة السويسرية لحضور الاجتماعات، متذرعة بحجج واهية، وآملة بتغير المعادلة العسكرية على الأرض لصالحها.

وبالمدينة نفسها عام 2015، انتهت المشاورات وكأنها لم تنعقد بسبب تعنت المليشيا أيضا وإصرارها على المشاركة بـ”حوار قوى سياسية”، أي ترفيع مستوى تمثيلها بالمفاوضات إلى أكثر من وفدها.

أما في الجولة الثانية من المفاوضات، التي يصطلح عليها إعلاميا وسياسيا بـ”جنيف 2″، والمنعقدة بمدينة “بيل” السويسرية، فتمكن المبعوث الأممي حينها إسماعيل ولد الشيخ أحمد من تجاوز مسألة الاختلاف حول صيغة الحوار.

وجرى الاتفاق على هدنة بالتزامن مع انطلاق المفاوضات في 15 ديسمبر 2015، غير أن الحوثي اخترق الهدنة، ما قاد نحو نهاية خالية الوفاض للمشاورات.
فثمة تاريخ قريب يفضح تكتيك المليشيا والفوبيا التي تتملكها من المحادثات والمشاورات، لأن الحل السياسي عادة لا يخدم مصلحة مجموعة انقلابية تسعى إلى الوصول إلى الحكم عبر سفك الدماء وتخدم مصالح دول أخرى.

في المقابل، تشير العناصر المتوفرة حاليا والمؤشرات الإيجابية التي سبقت انعقاد المشاورات إلى أن نجاح المشاورات في تحقيق اختراق بملفي بناء الثقة والأسرى والمعتقلين وارد للغاية أيضا.

فمساء الاثنين الماضي، أجلت الأمم المتحدة جرحى للحوثيين من صنعاء، قبل الإعلان عن التوقيع على اتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين على مراحل ووفق جدول زمني محدد.

وبهذا الاتفاق، تكون الخطوة الأكبر نحو تحقيق اختراق بملف الأسرى، قد تحققت بالفعل، خصوصا أن الطرفين اتفقا حتى على الوسيط في عملية التبادل (اللجنة الدولية للصليب الأحمر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *